الأمن الغذائي في إفريقيا..معركة الأرض والماء في مواجهة المجاعة

الفصل الرابع: التغير المناخي..عندما يصبح الطقس لاعباً سياسياً
لم يعد التغير المناخي في إفريقيا مجرد قضية بيئية تناقشها المؤتمرات الدولية، أو ظاهرة طبيعية تُقاس بدرجات الحرارة وكميات الأمطار. بل تحول إلى عامل يعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع والأمن والهجرة وحتى موازين القوة السياسية.
وفي قارة يعتمد جزء كبير من سكانها على الزراعة والرعي، تصبح السماء شريكاً غير مرئي في الإنتاج. فإذا جاءت الأمطار في موعدها، ازدهرت الحقول والمراعي. وإذا تأخرت أو انقطعت، بدأت سلسلة من الأزمات قد تمتد من القرية إلى العاصمة، ومن الدولة إلى الإقليم.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً: ماذا يحدث عندما يتحول المناخ من خلفية للأحداث إلى لاعب في صناعة الأحداث نفسها؟
إفريقيا..القارة التي تدفع ثمن أزمة لم تصنعها
تحتل إفريقيا موقعاً خاصاً في معادلة المناخ العالمية. فالقارة من بين المناطق التي ساهمت تاريخياً بأقل قدر في انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري مقارنة بحجم سكانها، لكنها تواجه في المقابل آثاراً شديدة من ارتفاع درجات الحرارة والجفاف والفيضانات وتدهور الأراضي. وتشير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أن إفريقيا تواجه مخاطر متزايدة على الزراعة والمياه والصحة والبنية التحتية والنظم البيئية نتيجة الاحترار العالمي.
وهنا تظهر إحدى أكبر المفارقات الأخلاقية والسياسية في القضية المناخية، فالقارة التي لم تكن في مقدمة المتسببين في الأزمة، أصبحت في مقدمة المناطق التي تتحمل كلفتها. فتراجع الأمطار، وانخفاض منسوب المياه، ثم تضرر المحاصيل، ما ينتج عنه ارتفاع أسعار الغذاء، حيث يؤدي إلى تراجع دخل الأسر الريفية. ومع استمرار الأزمة، تبدأ الأسر في بيع الماشية أو ممتلكاتها، ويضطر بعضها إلى مغادرة مناطقها.
وفي مرحلة لاحقة، تصل آثار الجفاف إلى المدن، حيث ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وزيادة الضغط على الخدمات، يؤدي إلى ارتفاع كلفة الدعم الحكومي، وتراجع النمو الاقتصادي. وهكذا يمكن لظاهرة مناخية أن تتحول تدريجياً إلى أزمة مالية واجتماعية وسياسية.
الفيضانات..الوجه الآخر للأزمة
لكن إفريقيا لا تواجه الجفاف فقط. فالتغير المناخي يزيد أيضاً مخاطر الأمطار الغزيرة والفيضانات المفاجئة في عدد من المناطق. وهنا تكمن المفارقة، فالمكان نفسه قد يعاني من نقص المياه خلال موسم، ثم يغرق في المياه خلال موسم آخر.
المشكلة إذن ليست دائماً نقص المياه، وإنما عدم القدرة على التحكم في توقيتها وتوزيعها. والفيضانات لا تدمر المحاصيل فقط. إنها قد تدمر الطرق والجسور ومخازن الحبوب وشبكات الري والمنازل، وتقطع طرق الإمداد، وتدفع الأسعار إلى الارتفاع. وفي المجتمعات التي تعاني أصلاً من الفقر، يمكن لفيضان واحد أن يمحو سنوات من التراكم الاقتصادي.
التصحر..زحف بطيء لا يظهر في عناوين الأخبار
إذا كانت الفيضانات كارثة سريعة، فإن التصحر كارثة بطيئة. يتراجع الغطاء النباتي، تتدهور التربة، تقل المراعي، تتراجع قدرة الأرض على الاحتفاظ بالمياه، ويصبح الإنتاج الزراعي أكثر هشاشة.
وفي الساحل الإفريقي، تتقاطع هذه الظاهرة مع الضغط السكاني والرعي والزراعة وضعف الموارد. لكن من الخطأ اختزال التصحر في المناخ وحده. فطريقة استخدام الأرض، وإزالة الغطاء النباتي، والرعي المفرط، وسوء إدارة المياه، والزراعة غير المستدامة، كلها عوامل يمكن أن تسرّع تدهور الأراضي. وهنا تصبح المعركة الحقيقية هي، كيف نستخدم الأرض دون أن نستنزف قدرتها على إنتاج الغذاء؟
المناخ والهجرة..من القرية إلى الحدود
حين تصبح الأرض أقل قدرة على الإنتاج، يبدأ الإنسان في البحث عن بديل. قد تكون الهجرة في البداية موسمية من الريف إلى المدينة. ثم تصبح دائمة. وقد تمتد لاحقاً إلى دولة مجاورة أو إلى مناطق أبعد.
ولهذا فإن التغير المناخي يمكن أن يعمل كـ «مضاعف للمخاطر»؛ فهو لا يخلق بالضرورة كل نزاع أو هجرة بمفرده، لكنه يزيد الضغط على أوضاع اقتصادية واجتماعية هشة أصلاً.
وفي إفريقيا، حيث الحدود طويلة والمساحات واسعة والتنقل بين مناطق الرعي والزراعة جزء من الحياة الاقتصادية التقليدية، يمكن للصدمات المناخية أن تعيد ترتيب حركة السكان.
الماء والغذاء والنزاع
عندما يقل الماء، لا يتراجع الإنتاج الزراعي فقط، بل تبدأ المنافسة بين المزارع والراعي، بين قرية وأخرى. بين منطقة وأخرى. وفي بعض الحالات، بين الدول التي تتقاسم الأحواض المائية.
لكن المناخ لا يخلق النزاع من الصفر. النزاعات تحتاج عادة إلى عوامل أخرى: ضعف المؤسسات، الفقر، التفاوت، ضعف إدارة الموارد، انتشار السلاح، غياب العدالة، والتنافس السياسي.
ولهذا فإن القراءة الأكثر دقة تقول: “التغير المناخي لا يصنع الحرب وحده، لكنه يستطيع أن يجعل البيئة التي تنشأ فيها الحرب أكثر قابلية للاشتعال”.
الساحل..نموذج للمشكلة المركبة
في منطقة الساحل، تتجمع العديد من عناصر الأزمة في مساحة واحدة، الجفاف، تدهور الأراضي، الفقر، النمو السكاني، النزاعات المحلية، ضعف الخدمات، الإرهاب، والتهريب.
وعندما تتراجع الموارد الزراعية والرعوية، تصبح الجماعات المحلية أكثر اعتماداً على موارد محدودة. وفي بيئة هشة أمنياً، يمكن أن تتحول المنافسة على الأرض والماء والمراعي إلى وقود إضافي للصراع.
لهذا فإن أي استراتيجية لمكافحة الإرهاب في الساحل لا يمكن أن تكتفي بالبعد العسكري. الأمن الغذائي والمائي والمناخي يجب أن يكون جزءاً من المعادلة الأمنية نفسها.
القرن الإفريقي..المناخ في قلب النزوح
وفي القرن الإفريقي، تقدم دورات الجفاف المتكررة مثالاً واضحاً على تداخل المناخ مع الغذاء والرعي والنزوح. عندما تنخفض الأمطار، تتراجع المياه والمراعي، وتنفق الماشية، وتتراجع قدرة الأسر على الحصول على الغذاء.
ومع استمرار الأزمة، يصبح النزوح وسيلة للبقاء. لكن النزوح نفسه يخلق ضغطاً جديداً على المناطق المستقبلة، وعلى المياه والأراضي والخدمات.
وهكذا تتشكل دائرة مغلقة؛ جفاف ففقدان الإنتاج ثمفقر فنزوح وضغط على الموارد فتوتر اجتماعي. وكلما كانت الدولة أضعف في إدارة هذه الدورة، أصبحت الأزمة أكثر قابلية للانفجار.
المناخ والسياسة..من يدفع الفاتورة؟
كلما ارتفعت كلفة التغير المناخي، سيظهر سؤال سياسي متزايد الأهمية؛ من سيدفع ثمن التكيف؟ هل تستطيع الدول الإفريقية ذات الموارد المحدودة تمويل السدود وشبكات الري والتحلية والإنذار المبكر وإعادة تأهيل الأراضي؟ في كثير من الحالات، الجواب هو: ليس بالقدر الكافي. وهنا تدخل قضية التمويل المناخي.
فإفريقيا لا تحتاج فقط إلى مساعدات طارئة بعد الكارثة، وإنما تحتاج إلى استثمارات طويلة الأمد تمكنها من التكيف قبل وقوع الكارثة. الفرق كبير بين أن تمول دولة إصلاح سد بعد فيضان، وأن تمول مسبقاً بنية تحتية قادرة على تحمل الفيضانات. الأول إنفاق على الضرر. والثاني استثمار في الوقاية. الخلاف حول العدالة المناخية. من هنا أصبحت «العدالة المناخية» أحد المفاهيم الأساسية في الخطاب الإفريقي.
فالدول الإفريقية تقول، إذا كانت الأزمة المناخية عالمية، فإن مسؤولية مواجهتها يجب أن تكون عالمية أيضاً، مع مراعاة اختلاف القدرات والمسؤوليات التاريخية. لكن المشكلة أن التمويل المناخي الموعود لا يصل دائماً بالسرعة أو الحجم أو الشروط التي تحتاج إليها الدول الأكثر هشاشة. وهذا يخلق فجوة بين الخطاب المناخي الدولي والواقع الذي تعيشه المجتمعات الإفريقية.
الزراعة أمام اختبار المناخ
إذا كان المناخ يتغير، فلا يمكن أن تبقى الزراعة كما كانت. المستقبل يحتاج إلى بذور أكثر مقاومة للجفاف والحرارة، وتنويع المحاصيل. مع أنظمة ري أكثر كفاءة. واستعادة خصوبة التربة، وحماية الغابات والمراعي. وأنظمة إنذار مبكر. مع تأمين زراعي أكثر انتشاراً. وتخزين أفضل للمحاصيل. مع تنويع مصادر دخل الأسر الريفية. وهنا لا يصبح التكيف مجرد سياسة بيئية، بل سياسة اقتصادية مباشرة.
الزراعة الذكية..من انتظار المطر إلى قراءة السماء
يمكن للتكنولوجيا أن تغير قواعد اللعبة. فالأقمار الصناعية تستطيع مراقبة الغطاء النباتي ورطوبة التربة. والبيانات المناخية يمكن أن تساعد المزارع على اختيار موعد الزراعة. كما أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساهم في التنبؤ بالأمراض الزراعية وموجات الجفاف. والهواتف المحمولة يمكن أن توفر للمزارعين معلومات عن الأسعار والطقس والأسواق.
هذه الأدوات قد تبدو بسيطة، لكنها في القارة الإفريقية يمكن أن تحدث تحولاً عميقاً إذا وصلت إلى صغار المزارعين. فالمزارع الذي يعرف قبل أسابيع أن موسم الأمطار سيكون ضعيفاً يستطيع تعديل خياراته.
أما المزارع الذي لا يملك هذه المعلومة، فقد يكتشف الكارثة بعد أن يكون قد استثمر ما يملك في محصول لن ينجح. هل يمكن أن تصبح إفريقيا قوة في الاقتصاد الأخضر؟ المفارقة أن الأزمة المناخية نفسها قد تفتح أمام إفريقيا فرصة تاريخية.
القارة تمتلك إمكانات ضخمة في الطاقة الشمسية والرياح والطاقة الكهرومائية، كما تمتلك موارد طبيعية مهمة يمكن أن تدخل في الصناعات الخضراء. وإذا نجحت في الجمع بين الطاقة النظيفة والزراعة الذكية وإدارة المياه والتصنيع المحلي، فقد تتحول من ضحية للتغير المناخي إلى طرف رئيسي في الاقتصاد الأخضر العالمي. لكن ذلك يحتاج إلى استثمارات ضخمة ونقل للتكنولوجيا وبناء القدرات، وليس فقط إلى وعود دولية.
المغرب..التكيف قبل فوات الأوان
في شمال إفريقيا، يقدم المغرب مثالاً على دولة اضطرت إلى التعامل مع ندرة المياه والجفاف باعتبارهما تحدياً استراتيجياً طويل الأمد. فسياسات السدود، والري الموضعي، وتحلية مياه البحر، وإعادة استخدام المياه، وتطوير الزراعة، كلها تدخل ضمن محاولة بناء قدرة أكبر على التكيف مع المناخ. لكن الدرس الأهم هو أن التكيف المناخي لا يمكن أن يكون مشروعاً ظرفياً. إنه يحتاج إلى سياسة دولة ممتدة لعقود. وهذا الدرس يهم إفريقيا كلها.
مناخ إفريقيا..قضية الأمن القومي
في الماضي، كانت وزارات البيئة تتولى الجزء الأكبر من ملف المناخ. أما اليوم، فلم يعد ذلك كافياً. فالمناخ أصبح مرتبطاً بوزارات، الداخلية، والفلاحة، والماء، والطاقة، والمالية، والصحة، والنقل، والدفاع.
لأن الكوارث المناخية تؤثر في كل هذه القطاعات. وهذا يعني أن إفريقيا تحتاج إلى إعادة تعريف الأمن القومي نفسه. فالأمن لم يعد فقط حماية الحدود من التهديدات المسلحة، بل حماية قدرة الدولة على توفير الماء والغذاء والطاقة في عالم أكثر تقلباً.
حتى الأمن والاستقرار السياسي لن يبقيا بعيدين عن تأثيراته. فالمناخ يدخل تدريجياً إلى صميم السياسة الإفريقية. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي؛ هو، هل ستنتظر إفريقيا الكارثة لتتكيف معها، أم ستبني منذ الآن اقتصاداً ومجتمعاً قادرين على الصمود أمام عالم يتغير؟ إن الإجابة ستحدد، إلى حد كبير، من سيملك القدرة على البقاء والإنتاج والنمو خلال العقود المقبلة.
وفي الفصل الخامس من “ملفات الحدث الإفريقي“ ننتقل من أثر المناخ على الغذاء إلى البعد الدولي للمعركة؛ من يملك غذاء إفريقيا؟ من يسيطر على الحبوب والأسمدة والبذور وسلاسل التوريد؟ وكيف تحولت الحرب والتوترات الجيوسياسية إلى عامل مباشر في الأمن الغذائي الإفريقي؟ وهل أصبح الغذاء أداة جديدة من أدوات النفوذ الدولي؟
نقرأ إفريقيا من الرباط..ونقرأ العالم من إفريقيا.



