من نقل الخبر إلى صناعة الحل.. مداخلة تضع الإعلام أمام مرآة الملكية والتمويل واحتياجات المواطن

الحدث الافريقي- ليلى حبش حاريت
في سياق النقاشات التي رافقت مؤتمر مينا العلمي الأول للإعلام والتحولات الرقمية، جاءت إحدى المداخلات لتفتح نقاشا صريحاً حول سؤال طالما رافق الممارسة الإعلامية: هل توجد وسيلة إعلام محايدة تماماً؟ ومن يحدد أجندتها؟
مداخلة د. عالية ادريس، انطلقت من فكرة أساسية مفادها أن الاعتقاد بوجود إعلام صادق ومحايد بنسبة مئة في المئة يظل أقرب إلى الوهم، لأن كل مؤسسة إعلامية تتحرك داخل شبكة من الملكية والتمويل والمصالح والأهداف. ومن هنا دعا إلى ضرورة معرفة من يملك الوسيلة الإعلامية، ومن يمولها، وما الغاية التي تقف وراء خطابها.
قسمت المداخلة وسائل الإعلام إلى ثلاثة أنماط رئيسية: الإعلام الموجّه، والإعلام الحكومي، والإعلام التجاري، مع التأكيد على أن لكل نمط منطقه الخاص في صناعة الرسالة الإعلامية.
وكانت أكثر النقاط إثارة للنقاش تلك المتعلقة بالإعلام الموجّه، الذي لا يكتفي، بحسب المتحدث، بنقل الأحداث وإنما قد يتحول إلى طرف في صناعتها أو تضخيمها، خصوصاً عندما يكون مصدر التمويل والجهة المستفيدة من الخطاب الإعلامي غير واضحين.
أما الإعلام الحكومي، فتمت مقاربته من زاوية مختلفة؛ إذ قد لا يلجأ بالضرورة إلى الكذب الصريح، لكنه قد يمارس نوعاً من الانتقائية والتجميل، عبر التركيز على ما يعزز صورة الدولة وتجنب الملفات التي يمكن أن تضعها أمام مساءلة أو انتقاد.
في المقابل، يبقى الإعلام التجاري مرتبطاً بدرجة كبيرة بمصالح المالك ومصادر التمويل والسوق الإعلانية، وهو ما قد يجعل مواقفه قابلة للتغير تبعا لتحولات المصالح والظروف السياسية والاقتصادية.
وهنا تبرز أهمية السؤال الذي ينبغي أن يطرحه المتلقي باستمرار: من يقف خلف هذه الوسيلة؟
أحد أكثر الجوانب إثارة في المداخلة كان الحديث عن قدرة بعض وسائل الإعلام على الانتقال من نقل الأزمة إلى صناعة الأزمة.
فالإعلام لا يكتفي دائماً بعكس الواقع، بل يستطيع، من خلال اختيار الموضوعات، وترتيب الأولويات، واستضافة الخبراء، وتكرار الرسائل، أن يمنح قضية معينة حجماً أكبر من حجمها الواقعي، أو يجعلها في صدارة اهتمام الجمهور.
وهذا يضع الصحافة أمام مسؤولية أخلاقية كبيرة، لأن الجمهور قد لا يملك دائماً القدرة على التمييز بين الحدث كما وقع، والحدث كما تمت صياغته إعلاميا.
ومن هنا تصبح التربية الإعلامية ووعي الجمهور جزءاً من معادلة المصداقية، وليس مجرد مسؤولية تقع على عاتق الصحفي وحده.
انتقلت المداخلة بعد ذلك من سؤال ملكية وسائل الإعلام إلى سؤال أكثر ارتباطا بالحياة اليومية للمواطن: ما الذي يريد المواطن أن يسمعه من الإعلام؟
وجاء المثال الليبي دالاً على ذلك، في ظل الأزمات المرتبطة بالكهرباء والماء والأمن وارتفاع درجات الحرارة. ففي مثل هذه الظروف، قد تصبح الأولوية بالنسبة للمواطن هي الحصول على أبسط مقومات الحياة، وليس متابعة السجالات السياسية والتحليلات الجيوسياسية.
وهنا استحضرت، بشكل غير مباشر، فكرة هرم الاحتياجات الإنسانية عند ماسلو: عندما يعجز الإنسان عن تأمين حاجاته الأساسية، فإن اهتمامه بالقضايا الكبرى يتراجع بالضرورة.
وبالتالي فإن إعلاماً يقضي الجزء الأكبر من وقته في التحليل السياسي، بينما يتجاهل مشاكل المواطن اليومية، قد يجد نفسه منفصلاً عن جمهوره، مهما كانت جودة ضيوفه أو مستوى تحليلاته.
اللافت في المداخلة أنها لم تتوقف عند نقد الإعلام، بل قدمت تصوراً لدوره المفترض.
فالصحافة، وفق هذا الطرح، لا ينبغي أن تكون مجرد منصة لتبادل الاتهامات أو إعادة إنتاج الأزمة، وإنما عليها أن تبحث عن الحلول الممكنة.
عندما تتم استضافة مسؤول، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: من تسبب في الأزمة؟، بل أيضاً: ما الذي يمكن فعله للخروج منها؟ ومن يتحمل مسؤولية تنفيذ الحل؟ وما الآجال والموارد المطلوبة؟
وهنا تلتقي المداخلة مع مفهوم صحافة الحلول التي تنظر إلى التحقيق الصحفي باعتباره وسيلة لفهم المشكلة واقتراح مسارات لمعالجتها، دون أن تتحول الصحافة نفسها إلى أداة ترويج للحلول الرسمية.
ومن أبرز الأفكار التي حملتها المداخلة أيضاً التأكيد على ضرورة إعادة التفكير في العلاقة بين التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي.
فالجمهور تغير، وطريقة استهلاك الأخبار تغيرت معه. لم يعد المشاهد ينتظر نشرة الأخبار لكي يعرف ماذا حدث، بل أصبح يتلقى الخبر عبر هاتفه، من مقطع قصير أو منشور أو صورة أو شهادة مباشرة من موقع الحدث.
لذلك، لم يعد التحدي أمام التلفزيون هو منافسة وسائل التواصل الاجتماعي في السرعة، وإنما دمج أدواتها ضمن العمل الصحفي المهني، والتحقق من محتواها، وتوظيف شهادات المواطنين والصور والمعلومات المتداولة في بناء تحقيق أكثر قرباً من الواقع.
وهكذا يمكن أن يصبح الصحفي حلقة وصل بين الشارع، والمنصات الرقمية، والمؤسسات، والمسؤولين.
في النهاية، تطرح المداخلة تصوراً يتجاوز الوظيفة التقليدية للإعلام باعتباره ناقلاً للأخبار.
الإعلام، في هذا التصور، يمكن أن يكون جسراً بين المواطن وصانع القرار: ينقل معاناة الناس، يتحقق من المعلومات، يضع المسؤول أمام الأسئلة، ويبحث في الوقت نفسه عن إمكانات الحل.
غير أن نجاح هذا الدور يبقى مشروطاً بشيء أساسي: الشفافية في الملكية والتمويل، والالتزام بأخلاقيات المهنة، والتمييز الواضح بين الخبر والرأي والدعاية.
فالحياد المطلق قد يكون هدفاً يصعب بلوغه، لكن المهنية والشفافية والإنصاف والتحقق ليست مستحيلة.
وفي زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة للجميع، لم تعد قوة الإعلام تقاس فقط بقدرته على صناعة العناوين، وإنما بقدرته على تمييز الحقيقة من الدعاية، وفهم الأزمة دون تضخيمها، وإعطاء المواطن صوتاً، وتحويل السؤال من: «ماذا حدث؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «وماذا سنفعل الآن؟»



