أخبارسياسة

محنة الأحزاب العربية والتعايش مع التردي

يتمثل ضعف الاحزاب العربية في زمن الاستبداد كونها شاركت في ميوعة الطبقات السياسية وهلامية البنية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد, وكونها ايضا لم تحمل مشروعا بعيد الامد. وأصبحت الأحزاب سوى أسماء لطبقات مهيمنة لم تسعى يوما لتطوير ذاتها، فكانت ضحية اختلال التوازن بين نظرية الحزب والواقع.

كما أن عدم استيعاب الدولة للوضع السياسي الذي تتخبط فيه الاحزاب والطبقات المشكلة لها، اثر سلبا على عملية بناء المؤسسات والطبقات بشكل سوي. الشيء الذي قوى من الهيمنة الاحادية الفوقية. ففسدت الحياة السياسية والبرلمانية وسهلت عملية تكوين الاحزاب وفي نفس الوقت سهلت عملية تفكيكها، فانعكس ذلك على الحياة الثقافية المجتمعية ففسدت بدورها، فغاب الانتاج الفكري الرفيع وحلت المعرفة الواسعة والخالية من الحياة، وسادت الخرافة والأساطير بدل الدين الحق وكثرت الصحف اليومية التجارية، ومشاجرات برلمانية عوض ممارسة سياسية جادة.

المؤسف في الإنتاجات الفكرية الثورية العربية المعاصرة انها لم تفرز بعد رؤى واضحة او ملامح طبقات مجتمع الغد، فالثورة لم تكن بالضرورة ضد انظمة فاسدة بعينها بقدر ما كانت ضد كل ما انتجته هته الانظمة من حيف وقهر واستغلال طبقي. عقود من الهيمنة السياسية والاستغلال الاقتصادي لطبقة اجتماعية منحت نفسها حق التصرف بالمال والبلاد والعباد بدون شرعية ولا رقيب ولا حساب، شرعنت كل شيء ليتماشى ومتطلباتها ويخدم مصالحها حتى كادت هته الطبقة ان تصبح من ضروريات العيش والبقاء وزوالها يعني نهاية البلاد والعباد.

أكيد انه يصعب على الفرد العربي المتسلط ان يفكر في تغيير المواقع وخصوصا مواقع اتخاذ القرار، سيكون صعبا عليه تحمل دلك. في نظرهم، السياسة والسلطة ليست حقا للجميع، على الفرد العادي احترام حيزه الجغرافي الطبيعي وعليه ان يترك النخبة تقرر مآله لأنها تعرف مصلحته أكثر منه.

اذا كان المال هو الذي يوصل الى السلطة في الغرب فان السلطة هي التي توصل الى المال في الشرق، لذا تعتقد النخبة أن ضياع السلطة هو تفويت للثروة والتي هي الجاه في نفس الوقت.

إن العدالة الاجتماعية هي شرط من شروط تحقيق مجتمع متساوي الحظوظ، انها ضرورة وجودية، وما هو ضروري فعدمه ليس ممكنا او كما يقول ارسطو انه لا يمكن للضروري ان يكون غير ما هو عليه.  ان العدالة الاجتماعية تقوم على الحق والحق هو نقطة الوسط بين طرفين قد يكونا متناقضين او متلازمين، وضمان هذا الحق هو التصور الشامل للمجتمع العادل.

السؤال المطروح: كيف يعاد بناء جهاز هيمنة الطبقة الحاكمة بعد الثورات؟

اكيد ان التركيبة الطبقية للمجتمعات العربية التي أطاحت بأنظمتها لم تتضرر، أكيد هناك أذيال للأنظمة السابقة والتي ستحاول على اعادة انتاج نفس الطبقات ونفس الأنظمة لأنه هو الضامن الوحيد على حماية مصالحها ومن هنا فهي تعيد بناء نفس الانظمة ولكن بطرق اخرى ومسميات جديدة لكنه في النهاية نفس النظام الذي لا يخدم الشريحة الواسعة من المستضعفين والفقراء والمستغلّين اقتصاديا، سياسيا واجتماعيا.

بالطبع ليس الطبقة الحاكمة فقط المسؤولة عن هذا الوضع، كل الاطراف متداخلة. فالعدالة الاجتماعية هي فضيلة اعطاء كل فرد حقه والحق هو الطريق السوي نحو مجتمع ديمقراطي. كلام غوغائي في غياب أناس قادرين على تحمل المسؤولية الاخلاقية داخل المجتمع ليس وحدهم بل هم بحاجة الى افراد باستطاعتهم بلورة هذه الافكار الى حقائق وإعطاء العدالة مضمونها الحقيقي الميداني.

انهم ببساطة ممثلي المواطن وحلقة وصل بين مهندسي السياسة وأولئك الدين يطفون عليها طابع الحقيقة والتطبيق في الواقع الملموس.

الفرد سياسي بطبعه، فإما أن يمارس السياسة أو تمارس عليه، وفي كلتا الحالتين هو داخل اطار السياسة. الفرد العربي بحاجة إلى تربية مواطنية، عليه أن يعرف ويعي ان له حقوق وعليه واجبات اتجاه الوطن والأمة. عزوف الشعوب العربية عن التصويت، لا مبالاتها السياسية وعدم ادخالها في التركيبة السياسية الراهنية دفع بها الى الخمول والسبات العميق لتستفيق على وضع كارثي كان بالإمكان تجنبه لو تم اشراكها في اللعبة السياسية لتتحمل مسؤوليتها.

من هنا يبدو أن إشراك كل مقومات المجتمع المدني في العملية السياسية ضروري لمنع بناء جهاز هيمنة جديد وتصبح مبادئ الثورة وأهدافها هشيما تدروه الرياح. اكيد ان هذا النضال بأشكاله المختلفة يهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية داخل فضاء مجتمعي رحب لا سيد ولا عبد فيه، بل تتساوى الحظوظ في الحياة و في العيش الكريم.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button