
على ضوء انتخابات 23 شتنبر 2026
ثالثاً: الجذور التاريخية وتطور سيكولوجية الناخب المغربي
لا يمكن فهم سيكولوجية الناخب المغربي الراهنة بمعزل عن مسارها التاريخي؛ فهي لم تتشكل دفعة واحدة، بل تراكمت عبر أربع محطات كبرى متحكم فيها من طرف الدراع التنفيذي للدولة، المتمتل في وزارة الداخلية باعتبارها المشرف المباشر على هندسة وتدبير الإنتخابات و سن قوانينها، أعادت في كل مرة صياغة علاقة المواطن بصندوق الاقتراع.
3.1. زمن الحماس والنضال: التأطير الحزبي الوطني (1956 – أواخر الستينيات)
عرف الناخب المغربي، في السنوات الأولى لما بعد الاستقلال، علاقة وجدانية قوية بالفعل الحزبي؛ إذ اضطلعت أحزاب الحركة الوطنية ،وعلى رأسها حزب الاستقلال، ثم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المنبثق عنه سنة 1959 – بدور التأطير الأيديولوجي والتعبوي للجماهير حول قضايا التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والبناء الديمقراطي لدولة الاستقلال. كانت سيكولوجية الناخب حينها أقرب إلى “الانخراط النضالي” منها إلى الحساب البراغماتي؛ فالتصويت كان امتداداً لموقف سياسي وأيديولوجي واضح ينبثق من حركة التحرر الوطني، ووسيلة للتعبير عن الانتماء لمعسكر “الحركة الوطنية” في مواجهة القوى المحافظة والتقليدية. غير أن هذا الزخم النضالي بدأ يصطدم مبكراً بمحدودية هامش المناورة السياسية، خصوصاً بعد الانقسامات داخل الحركة الوطنية وتأسيس أحزاب إدارية موازية منذ الانتخابات البلدية والتشريعية الأولى (1960-1963).
3.2. زمن الانكسار والهندسة: تدخل الدولة ووزارة الداخلية (أواخر الستينيات – منتصف التسعينيات)
شكّلت هذه المرحلة أهم قطيعة في مسار العلاقة بين الناخب والفعل الانتخابي؛ إذ تحوّلت وزارة الداخلية، منذ إشراف أحمد رضا اكديرة على أولى الانتخابات، ثم بشكل أكثر منهجية في عهد إدريس البصري الذي لُقبت وزارته بـ”أم الوزارات”، إلى فاعل مركزي في هندسة النتائج الانتخابية، عبر تقطيع الدوائر، ومراقبة الترشيحات، وأحياناً التدخل المباشر في فرز الأصوات لصالح “أحزاب الإدارة ” التي كانت تضم في تركيبتها الأعيان ورجال الأعمال وأصحاب المصالح، مقابل إضعاف الأحزاب ذات الامتداد الجماهيري والمعارضة الأيديولوجية. لقد خلّف هذا “التزوير المؤسسي” أثراً نفسياً عميقاً وممتداً في وعي الناخب المغربي، تمثّل في تكريس قناعة مفادها أن نتيجة الصندوق محسومة سلفاً بمعزل عن الإرادة الشعبية، وهو ما أرسى أولى بذور العزوف واللامبالاة السياسية و الدعوة الى مقاطعة المسار الإنتخابية برمته و التي ما تزال آثارها حاضرة إلى اليوم. وقد استمرت هيمنة أحزاب الإدارة على أغلب الاستحقاقات طيلة ثلاثة عقود تقريباً، بين 1963 و1993.
3.3. زمن الأمل الحذر والتوافق: الانفتاح والتجربة الإسلامية (1996 – 2021)
مع التوافق السياسي الذي أفرز حكومة “التناوب التوافقي” سنة 1998 برئاسة عبد الرحمن اليوسفي، رفعت الدولة يدها نسبياً عن التدخل المباشرفي نتائج الإنتخابات، دون أن تتخلى كلياً عن دعم أحزاب قريبة منها بأشكال مختلفة غير مباشرة. عاش الناخب المغربي شبه انفراج نفسي في هذه المرحلة، إذ استعادت بعض الأحزاب التاريخية موقعها في المشهد، لكن سرعان ما تبدد هذا الأمل مع محدودية الهامش الفعلي لحكومة التناوب في التغيير، ما أعاد إنتاج خيبة الأمل لدى شريحة واسعة من الناخبين الذين راهنوا على “التناوب” كمدخل للقطيعة مع ممارسات الماضي و إمكانية التغيير من داخل المؤسسات التشريعية و التنفيذية.
ثم جاء زمن تجربة صعود التيار الإسلامي الذي ترأس الحكومة منذ 2011 إثر فوزه في انتخابات ذلك العام وتأكيده للفوز سنة 2016، حيث سادت حالة من الأمل في إحداث توازن سياسي ومحاربة الفساد، قبل أن تنتهي التجربة بتراجعات واختبارات قاسية في الأداء الحكومي أدت إلى تصويت عقابي حاسم سنة 2021 و قد شكل هذا التيار اخر أمل للمواطن المغربي في التغيير و شكلت خيبة أمل المواطن المغربي و خاصة أمام القرارات الصعبة التي تم اتخادها ضده.
3.4. زمن المال والوجاهة: صعود الأعيان ورأس المال السياسي (منذ منتصف الألفية إلى اليوم)
شهد المشهد الحزبي المغربي، منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، تحولاً نوعياً تمثّل في صعود لافت لنفوذ الأعيان ورجال الأعمال داخل هياكل القيادة الحزبية واللوائح الانتخابية، سواء عبر إعادة هيكلة أحزاب قائمة كحزب التجمع الوطني للأحرار، أو عبر تأسيس تشكيلات حزبية جديدة كحزب الأصالة والمعاصرة، الذي نجح في مدة قياسية في استقطاب شبكة واسعة من الأعيان المحليين والفاعلين الاقتصاديين. ولم تعد “تزكية” المرشح رهينة بالضرورة بمساره النضالي أو برنامجه السياسي، بقدر ما ارتبطت بقدرته المالية على تمويل الحملة الانتخابية، وبشبكة علاقاته المحلية وقدرته على تعبئة “الوجاهة” الاجتماعية والقرابية لصالحه؛ وهو ما رسّخ لدى الناخب تمثلاً جديداً مفاده أن السياسة “استثمار” يقتضي المال أكثر مما يقتضي الانتماء الأيديولوجي.
3.5. المشهد الانتخابي المغربي: التداعيات البنيوية للتطور التاريخي وسؤال 2026
لم تكن التحولات الراهنة التي طرأت على سلوك الناخب المغربي وليدة صدفةٍ سياسية، بل جاءت كمحصلةٍ طبيعية لتراكماتٍ تاريخية أعادت رسم التوازنات داخل الحقل السياسي. إن قراءة التطور التاريخي للعملية الانتخابية تكشف عن أربعة تداعيات بنيوية عميقة تشكل اليوم العصب الأساسي للواقع الانتخابي بالمغرب:
1. بلقنة الخريطة الحزبية وأفول الهوية الحزبية
انتقل المشهد السياسي المغربي من قطبٍ ثنائي حاد كان يدور حول محورين أيديولوجيين واضحين (الكتلة الوطنية في مواجهة الأحزاب الإدارية) إلى حالةٍ من التفتت الحزبي غير المسبوق؛ إذ باتت الساحة تضم أكثر من ثلاثين تشكيلاً حزبياً. هذا التضخم العددي لم يفرز تنوعاً في الخيارات، بل أنتج أحزاباً متماهية في خطاباتها الانتخابية، وتفتقر إلى هوية فكرية أو برامجية تميزها عن غيرها، مما جعل المفاضلة بين البرامج أمراً شبه مستحيل بالنسبة للناخب.
2. انحسار التأطير وتكريس “سوق التزكيات”
تراجعت الوظيفة التاريخية للأحزاب بوصفها قنوات للتنشئة السياسية وصناعة الوعي و الترافع حول قضايا المجتمع، لتتحول عشية كل استحقاق انتخابي إلى مجرد “منصات إجرائية لمنح التزكيات”. هذا العجز البنيوي عن إنتاج نخب جديدة من القواعد النضالية فتح الباب واسعاً أمام ظاهرة “أعيان الانتخابات” أو “محترفي الإنتخابات”؛ حيث يجري استقطاب أصحاب النفوذ المالي والاجتماعي الجاهزين تعويضاً عن غياب الجاذبية الفكرية للحزب .
3. “الترحال الانتخابي” واستشراء الانتهازية السياسية
تحول تنقل الأعيان ورجال الأعمال بين التشكيلات الحزبية من مجرد سلوك فردي معزول إلى سمة بنيوية تحكم المشهد السياسي. يُمارس هذا الترحال وفق حسابات النفوذ والبحث عن التشكيلة الأقرب إلى السلطة أو الأكثر قدرة على توفير غطاء سياسي محمي، وهو ما كرس منطق “الفرصوية” على حساب أي ثباتٍ أيديولوجي أو التزامٍ تنظيمي.
4. تعميق الفجوة وتغير مسارات الفعالية السياسية
أدت عقود من الهندسة الانتخابية وهيمنة المال السياسي إلى ترسيخ قناعة لدى شرائح واسعة من المجتمع، وفي مقدمتها الشباب، بعدم جدوى صندوق الاقتراع في إحداث تغيير ملموس. ورداً على هذا الانسداد، انزاحت دينامية المشاركة السياسية نحو قنوات بديلة؛ حيث أضحت الحركات الاجتماعية المحلية، والمبادرات الجمعوية، والتعبئة الرقمية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وسائل أسرع وأكثر نجاعة في التعبير عن المطالب والضغط على القرار العمومي مقارنة بالوساطة الحزبية التقليدية.
خلاصة: تشكل “الناخب البراغماتي” في أفق انتخابات 2026
إن قراءة هذا العمق التاريخي تُعد مدخلاً شرطياً لفهم سيكولوجية الفاعل الانتخابي في اللحظة الراهنة؛ ف “الناخب البراغماتي” الذي يقف على أعتاب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة ليس نتاج قطيعةٍ فجائية مع الماضي، بل هو المحصلة التراكمية لأربعة أجيال من التجارب السياسية المتعثرة التي طوّر خلالها المواطن المغربي آليات دفاع سيكولوجية وسياسية جادة.
لقد أدّت خيبات الأمل المتتالية أمام الوعود الأيديولوجية إلى تشكيل سلوك انتخابي يتأرجح بين اللامبالاة الكلية كموقف احتجاجي صامت، وبين التصويت الحسابي/ العقابي الصارم القائم على معادلة الربح والخسارة الآنية. لم يعد الشارع يراهن على التغيير البنيوي طويل المدى عبر صناديق الاقتراع؛ بل أصبحت الأصوات تُمنح وفق معيار المنفعة المباشرة والاستجابة اللحظية للمطالب المعيشية.
إنها براغماتية اضطرارية جعلت الناخب يتعامل مع العملية الانتخابية كـ “سوق نفعي” يقتنص فيه المكتسبات الفردية أو المحلية الملموسة، بعدما فقد الثقة في قدرة الفاعل الحزبي التقليدي على قيادة تحول تنموي شامل ومستدام.



