كتاب “الحرية النسائية في تاريخ المغرب الراهن” في صلب جلسة حوارية بمكناس

بقلم: أحمد الميداوي
يحتضن المركب الثقافي والفني بمكناس (سينما الريف) ظهر السبت 7 فبراير جلسة حوارية حول كتاب “الحرية النسائية في تاريخ المعرب الراهن بين المرجعية الإسلامية والمواثيق الدولية”، لصاحبه المؤرخ إبراهيم القادري بوتشيش، أستاذ فخري بجامعة المولى إسماعيل، بحضور نخبة من المؤرخين والحقوقيين والباحثين الاجتماعيين.
والكتاب الذي يقع في 279 صفحة، واستغرق إنجازه نحو عشر سنوات، هو تأريخ لمقاربة جديدة للتفكير في الحرية النسائية بالمغرب، مغايرة للمقاربات التقليدية التي كانت تعالج بها حرية المرأة في الحقب السابقة، وذلك اعتمادا على “مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية”، الذي نحت بصمة جديدة في مسار الحرية النسائية.
ومشروع الخطة هو، كما يقول الدكتور القادري بوتشيش، “عبارة عن مسودة شملت مجموعة مطالب وبرامج لإدماج المرأة في التنمية، اقترحتها جمعيات نسائية وتحالفات حزبية وتيارات حداثية، بهدف تحسين وضعية المرأة المغربية، وصيانة حقوقها وحرياتها. وقد صيغت من قِبَل أحزاب يسارية كانت تشارك في حكومة التناوب بالمغرب، ثم قدمت كمقترح حكومي للنقاش والمصادقة عليها سنة 1999. ومع أنها لم تحظ بالإجماع الوطني، فقد أثارت نقاشا واسعا، وغيرت مجرى التفكير في الحرية النسائية بالمغرب”.
ومع ما خلّفته، يضيف المؤرخ، مسودة مشروع هذه الخطة الوطنية، من “انقسامات واصطفافات، وتدافع بين التيار الإسلامي والتيار الحداثي، وصل إلى حد توظيف معركة المظاهرات المليونية، والحشود البشرية، وتأليب شارع ضد شارع، في مسيرتين متعارضتين لم يشهد لهما تاريخ المغرب نظيراً من قبل، فضلا عمّا تمخض عنه من كتابات متعارضة، وتلاسنات وعنف لفظي بين التيارين، استمر من زهاء أربع سنوات (من 2000 إلى بداية 2004)، فإنه لم يظفر بعناية المؤرخين عموما، وانحصر النقاش حولها، بين علماء الدين ورجال السياسة والقانون والصحفيين، والأحزاب السياسية وأذرعها الدعوية، وبعض الجمعيات النسائية، بعيدا عن تحليلات المؤرخين. وهو ما استدعى نقله إلى المجال الأكاديمي، عبر دراسة تاريخية تبحر في عمق قضية من قضايا التاريخ الراهن التي عايشها المؤلف، وتشكّلت وقائعها أمام سمعه وبصره.

أهمية الكتاب لا تنحصر في أصالته ومعالجته لموضوع راهني فحسب، بل في إثارته لقضية تعدّ من أهم القضايا المعقدة في العالم العربي والإسلامي اليوم، ألا وهي مسألة الحرية التي هي غريزة إنسانية، وقضية وجودية، ترتبط بكرامة الإنسان المستخلف في الأرض.
كما أن الكتاب يؤرخ للحظة تاريخية فارقة في مسار تاريخ الحرية بالمغرب، لحظة تمردت على ثقافة الكتمان والانغلاق على الذات، وأبَتْ إلا أن تبوح بالمسكوت عنه، وتناقش ما يندرج في خانة المقدس. ناهيك عن أنها فتحت فضاء جديدا تكتظ فيه أسئلة الحرية والحقوق النسائية، وتتفجر فيه مسائل الهوية، وحدود السيادة الوطنية في تعارضها مع قيَم العولمة التي تسعى لفرض أنماطها الثقافية، ومنها ربط حرية المرأة بالمواثيق الدولية، من دون مراعاة للخصوصيات المحلية.
وفي سياق تفاعل المؤرخ مع قضايا عصره أيضا، طرح في الفصل الأخير من الكتاب إمكانية رسم معالم خارطة طريق وسطي، قد يساهم في التقريب بين وجهات النظر المتضاربة، ويسعف في إيجاد خيوط التقارب والتقاطع والالتقاء بين أنصار المرجعية الإسلامية وأنصار المرجعية الدولية.
ويتأسس هذا المقترح التقريبي، على “الواقعية والتدرج، والانتصار لقيَم الوسطية والاعتدال، والبحث عن التقاطعات بين أصول الشريعة الإسلامية ومقاصدها، والجوانب الإيجابية التي تختزنها المنظومة العُرفية من جهة، واحترام قيَم الحداثة والتنوير، من دون تنكر للخصوصية المغربية من جهة أخرى.
ويبدأ التقريب، برأي الأستاذ الفخري بجامعة المولى إسماعيل، “بوضع الإصبع على النقاط المشتركة بين الاتجاهين المتدافعين، بعيدا عمّا يسميه فرويد بنرجسية الاختلافات الثانوية، وبمنأى عن تشويش السياسة، والخلفيات الحزبية الضيقة، والتوغل- بدلا من ذلك – في البحث عن العناصر الإيجابية داخل المنظومة العُرفية التي انتصرت أحيانا لقيَم الحداثة أكثر من القانون الوضعي في بعض المجالات الحقوقية، وحسن تنزيل النصوص الدينية، وقراءتها بما يخدم المصلحة العامة.
واعتمد الدكتور القادري في قراءة الكثير من المتغيرات على منهج شمولي متماسك، يقوم على التأصيل التاريخي للحرية، وتغيُّر موقف الرأي العام منها، والمقارنة بين الحرية كما كانت متداولة في العصر الوسيط ثم العصر الحديث، وصولا إلى التاريخ الراهن.
وبحكم أن للموضوع جذور تاريخية وامتدادات تتطلب الإبحار بين ضفاف التاريخ، فقد استند إلى القاعدة المنهجية البيداغوجية القائمة على طريقة “الكل في واحد”، (Tout en un)،عمَد من خلالها إلى تركيز الأحداث، وقراءة كافة النصوص والمستندات وأدبيات الأحزاب اعتمادا على التحليل والاستنباط والنقد.
والجلسة الحوارية التي تنظمها جامعة المولى إسماعيل بمشاركة كل من الدكتورة الزهرة اللهيوي، والدكتورة رشيدة الشانك، والدكتور عبد الله الطني، والكاتب الصحفي أحمد الميداوي من باريس، هي مناسبة مواتية لتحليل وتفكيك أفكار وطروحات الإسلاميين والحداثيين بخصوص الحرية النسائية، وهي مواضيع لا يمكن مقاربتها بمنطق الشعارات، ولا بمنطق الصدام الإيديولوجي، بل بمنطق الفهم التاريخي، والتحليل الثقافي، والتركيب القيمي.
فالحرية النسائية في المغرب ليست منتجا إعلاميا حديثا، ولا خطابا مستوردا من الخارج، بل هي سؤال تاريخي تشكّل عبر قرون، داخل البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع المغربية التي أثبتت أن المرأة المغربية لم تكن كائنا هامشيا خارج التاريخ، بل كانت دائما فاعلا في الاقتصاد الأُسري، وفي التربية، وفي المشاركة الاجتماعية، وفي نقل القيم الداعمة لتماسك الأسرة.
ثم إن الإسلام في جوهره لم يؤسس لمنظومة تمييزية بين الذكر والأنثى، بل لمنظومة تكاملية. وفي السياق المغربي، تفاعلت هذه المرجعية مع المذهب المالكي، الذي اشتغل على منطق المصلحة، ورفع الحرج، وهو ما أنتج نموذجا دينيا مرنا، قابلا للتكيف، غير جامد، وغير صدامي. لكن الإشكال لم يكن في المرجعية، بل في القراءات الاجتماعية الذكورية التي حمّلت الدين ما ليس فيه، وحوّلت بعض الأعراف إلى مقدسات.
ومع التحولات الحديثة، دخل المغرب في تفاعل مباشر مع المنظومة الحقوقية العالمية، عبر
المواثيق الدولية، والاتفاقيات الأممية، والخطاب الحقوقي. فأصبح سؤال الحرية النسائية سؤالا مزدوج المرجعية: مرجعية دينية ثقافية، ومرجعية حقوقية كونية.
وهنا اختار المغرب مسار مختلفا: لا قطيعة مع المرجعية الإسلامية، ولا تبعية عمياء للنموذج الغربي، بل مسار التفاعل والتوفيق. وظهر ذلك في إصلاح مدونة الأسرة، وفي دسترة المساواة، وأيضا في توسيع الحقوق المدنية، وإدماج المرأة في المجال العام.



