القلم..رأس مال الصحفيين

إن الاعتراف بحقوق المؤلف للصحفيين ليس مجرد مطلب مهني، بل هو رهان حضاري على مستقبل الصحافة المغربية. فحين يُصان القلم، تُصان الحقيقة، وحين يُكافأ الإبداع، تزدهر الكلمة الحرة. لقد آن الأوان لأن يدرك الجميع أن الصحفي ليس مجرد ناقل للخبر، بل مؤلفٌ يصنع الوعي الجماعي، وأن حماية حقوقه هي حماية لجوهر المهنة نفسها. وصيانة رأس مال الصحفي الذي هو قلمه لاغير.
في هذا السياق، جمع المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة الصحفيين المغاربة أمس الجمعة(03أبريل2026) في لقاء يعد الأو ل من نوعه من أجل بسط مجريات هذا الاعتراف بحقوق المنتوج الصحفي وجس نبض حملة الأقلام التي لا تستريح إلا على نقل خبر أو تحليل حدث أو انجاوز تحقيق أو ربورتاج، وأيضا يأتي هذا اللقاء الذي حضره الوزير المهدي بنسعيد وأطرته مديرة المكتب التي شهدت لها القاعة بنبل عملها وجهدها الكبير من أجل بلوغ هذا المستوى من توفير كل الشروط القانونية والمادية لإخراج هذا المشروع إلى حيز الوجود، وقبله ما فعلته مع الفنانين والمؤلفين في “زمن كوفيد 19”.
إذن يأتي هذا اللقاء لابراز الجهد الصحفي الذي يصنع حقيقة الوعي الجمعي للمجتمع المغربي في زمن تتسارع فيه الأخبار وتتناسل المنصات الرقمية بوتيرة مذهلة، يظل الصحفي المغربي في قلب معادلة دقيقة بين إنتاج المعرفة والمعلومة من جهة، وحماية حقوقه الفكرية والمادية من جهة أخرى. فبينما يُنظر إلى الصحافة باعتبارها سلطة رابعة، فإن من يمارسها كثيراً ما يجد نفسه خارج دائرة الحماية القانونية الكاملة التي تضمن له الاستفادة من حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، رغم أن عمله الإبداعي لا يقل قيمة عن أي إنتاج أدبي أو فني.
لقد قطع المغرب خطوات مهمة في هذا المجال، من خلال القانون رقم 2.00 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، الذي وسّع نطاق الحماية ليشمل المصنفات الصحفية المكتوبة والسمعية البصرية والرقمية. غير أن الإشكال لا يكمن في النصوص بقدر ما يكمن في تفعيلها على أرض الواقع. فالكثير من الصحفيين لا يدركون أن مقالاتهم، تحقيقاتهم، وصورهم الصحفية هي أعمال محمية قانوناً، وأن إعادة نشرها أو استغلالها دون إذن يُعد انتهاكاً صريحاً لحقوقهم.
في المقابل، ما زالت بعض المؤسسات الإعلامية تتعامل مع الإنتاج الصحفي كملكية حصرية لها، متجاهلة أن الصحفي هو المؤلف الأصلي، وأن له الحق في الاعتراف باسمه، وفي الحصول على مقابل مادي عند إعادة استخدام عمله في وسائط أخرى أو أرشفة محتواه رقمياً. هذه الممارسات تطرح سؤالاً جوهرياً حول العدالة التعاقدية داخل المؤسسات الإعلامية، وحول مدى وعي الصحفيين بحقوقهم في مواجهة عقود عمل قد تُفرغ النص القانوني من روحه.
إن حماية حقوق المؤلف ليست ترفاً قانونياً، بل هي شرط أساسي لتطوير المهنة وضمان استقلاليتها. فالصحفي الذي يشعر بأن مجهوده الفكري مصان، وأن إنتاجه لا يُستغل دون مقابل، سيكون أكثر التزاماً بأخلاقيات المهنة وأكثر قدرة على الإبداع. كما أن الاعتراف بحقوقه المجاورة يفتح الباب أمام اقتصاد إعلامي جديد يقوم على القيمة الفكرية للمحتوى، لا على سرعة النشر أو عدد النقرات.
اليوم، ومع التحول الرقمي الذي جعل من كل صحفي ناشراً محتملاً على المنصات الإلكترونية، تبرز الحاجة إلى تأطير قانوني أكثر وضوحاً يضمن للصحفيين حقوقهم في البيئة الرقمية، ويمنع القرصنة وإعادة النشر غير المرخص.
كما أن دور النقابات المهنية وهيئات الصحافة أصبح محورياً في نشر الوعي القانوني وتكوين الصحفيين في مجال الملكية الفكرية.



