أخبارالرئيسيةفي الصميم

الوطن بحاجة لمن يدافع عنه بصدق

بقلم: الكاتب الصحافي عبدالله العبادي

الكل يتحدث عن الوطن، والكل يدافع عن الوطن، الجميع يهمه أمر الوطن لكن الوطن في بحث دائم عمن يدافع عنه بوفاء وبصدق وبنزاهة. الواقع أشبه بسرك كبير، ممثلون من كل الفئات والأطياف، كل يبحث عن مبتغاه، وفي رحلة البحث قد يدوس عل مبادئه وقد يتجاوز سقف متطلباته وقد ينجر وراء إيديولوجياته القاتلة.


المشهد صار دراميا بالفعل، مشاهد متكررة لنخب أساءت كثيرا للوطن، ولا زالت تواصل هدر الوقت في تصرفات شاذة، في البرلمان وفي الأحزاب وفي جمعيات المجتمع المدني، متى يفهم هؤلاء بأننا بهذه السلوكيات لا نبني أوطانا ولا مجتمعات. إنه يعبثون بما تبقى من كرامتهم، مما تبقى من مروءتهم، الوطن أغلى بكثير مما يتصورون، أم أنهم قاصرون على فهم معنى الوطن والوطنية.
الانتخابات على الأبواب، أحزاب وساسة يسابقون الزمن من أجل توظيفات ومصالح ضيقة قبل مغادرة المكاتب، الكل يبحث عن ما يربحه على حساب الوطن. ويبقى المواطن الشريف، الذي لا يبيع موقفا، شاهدا على مأساة وطن. مشاهد تتكرر منذ سنوات، نفس الوجوه السياسية ونفس العقيدة، في مغرب يراه صاحب الجلالة وطنا لا يشبه مغرب ما قبل 31 أكتوبر، المغرب المأمول الذي يريده الملك والشعب.
متى نفهم أن العشوائية لا تبني وطنًا، وأن الشعبوية لا تصنع نخبا، وأن السمسرة لم تكن يوما مشروعًا اجتماعيًا. متى نفهم أن جزءًا كبيرا من الضرر يأتي من بني جلدتنا، ومن قُدرتنا الغريبة على تبرير الفساد حين يخدم مَصالحنا الضيقة. المشكلة أن الكثير منا لا يكره الفساد لأنه سيء، بل يكره المفسد لأنه ليس من صفه. ولا نعارض المتاجر بالقضايا لأنه لا يحب الوطن، بل لأنه يبيعها لغيرنا، وحين يصرخ من أجل مشكلتنا ولو ظاهريا نصفق له، كلنا جزء من الفساد المتفشي، وكلنا جزء من الحلول.
حين يخدم المفسد قضية ما بمنطقتنا نصفق له، ونقول عنه “معلم” لأنه يعرف من أين تأكل الكتف. من هنا يبدأ الانحدار نحو القعر، حين يصبح الانحطاط مهنة والقدارة السياسية جرأة والانتهازية والاستغلال ذكاء. كلنا متورطون في تفشي الفساد ولو بالصمت، من صنع منهم ديناصورات، غير المجتمع، من منحهم ورقة التخريب عبر صناديق الاقتراع؟ هل حان الوقت لنوقف نزيف الوقت الضائع من وطننا الغالي، ونمنح ثقتنا لأبناء الوطن الغيورين على قضاياه ومجتمعه.
لم نعد نخاف من أعداء الخارج، لأننا ربينا خصومنا بيننا من داخل مجتمعنا، نصفق لهم حين ينافقوننا ونبكي بعد ذلك على ضياع فرص البناء، علينا أن نتحلى بالموضوعية والعقلانية ونشر الوعي وقول الحقيقة والدفاع عن ثوابت الأمة وملكيتنا ووحدتنا الترابية، ومن يفعل غير ذلك علينا محاسبته، إنهم يتقنون فعلا الالتفات على القوانين وترويضها لصالحهم، كيف لا وهم صانعوها.
صراعنا اليوم، صراع مفاهيم، يجب أن نبنيَ مجتمعًا قويا وعادلا، ونتشبت بالنزيه ونحارب المحتال، ونتحلى بالقيم الجامعة والمشتركة بعيدا عن الغنيمة وسوق السياسة والثقافة المزيفة والقيم المرحلية، الوطن بحاجة إلى وقفة مع الذات ونقذ الذات من أجل المجتمع والغد.
يجب أن نعلن التغيير الجدري في الكثير من المفاهيم السائدة، في البيت وفي الشارع وفي المدرسة، أن نعيد ترتيب القيم، أن يتربى الطفل على أن الأدب والأخلاق ليست ضعف، وأن نسمح له بطرح الأسئلة عوض التركيز على الحفظ، أن نعلمه أن لا يسمح للرداءة أن تتكلم باسمه، وأن يقول لا، حين يتم مهاجمة ثوابته، ومن خلاله نحارب جهل الإعلام وانتشار التفاهة، وتصبح المدرسة والجامعة مكانا للمعرفة بامتياز بعيدا عن الإيديولوجيات الضيقة والمفاهيم السامة.
كثرت الأعذار لذى الكثيرين، ويجب أن نوقفها، لا أعذار بعد اليوم، لدينا ما يكفي من العقول لتجاوز الفوضى السياسية والكذب والنفاق، لم يعد هناك متسع من الوقت لسماع من يجهلون مصلحة الوطن، يجب أن يفهموا أن خرابهم غير مسموح به، وحان الوقت للحساب.
نحتاج اليوم، إلى ضمائر غير قابلة للبيع، وأبناء شرفاء لهذا الوطن، مغرب ما بعد 31 أكتوبر، ليس قاعة انتظار، وإنما مشاريع استراتيجية كبرى ملكية ووطنية، فإما ان تكون منخرطا أو تنصرف، لا مجال لقبول أنصاف الأشياء، فإما مغربيا ملكيا حتى النخاع او غير ذلك.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button