فوزي لقجع..من هندسة الميزانية إلى رئاسة الحكومة؟

في السياسة كما في كرة القدم، لا تكفي الموهبة وحدها لصناعة الأبطال، بل يحتاج الأمر إلى قراءة دقيقة للميدان، وحسن تدبير للوقت، وقدرة على تحويل الضغوط إلى فرص. وربما لهذا السبب بالذات، أصبح اسم فوزي لقجع يتردد بقوة في الصالونات السياسية والإعلامية كلما اقترب المغرب من محطة انتخابية جديدة، حتى بات السؤال الأكثر تداولاً: هل يستعد الرجل للانتقال من رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ووزارة الميزانية إلى رئاسة الحكومة؟
قد يبدو السؤال سابقاً لأوانه، لكنه لم يعد مجرد إشاعة عابرة. فخلال الأشهر الأخيرة تصاعدت التكهنات حول إمكانية التحاق لقجع بالعمل الحزبي استعداداً للاستحقاقات التشريعية المقبلة، بينما لم يصدر عنه سوى موقف حذر مفاده أنه إذا قرر الانخراط في أي حزب سياسي فسيعلن ذلك بنفسه. واليوم الثلاثاء(21يوليوز) يعلن فوزي لقجع التحاقه رسميا بحزب الأصالة والمعاصرة
لكن بعيداً عن الإشاعات، فإن قراءة المشهد السياسي تفرض طرح سؤال أكثر عمقاً: لماذا أصبح اسم لقجع مطروحاً أصلاً؟ الجواب يبدأ من مساره.
فالرجل لم يصنع شهرته داخل الملاعب فقط، بل سبق ذلك سنوات طويلة داخل وزارة الاقتصاد والمالية، حيث أشرف على واحدة من أكثر الإدارات حساسية في الدولة، قبل أن يصبح وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية. هناك راكم تجربة في تدبير المالية العمومية والإصلاحات الكبرى، ثم نجح في نقل هذه الثقافة التدبيرية إلى قطاع الرياضة، محولاً كرة القدم المغربية إلى ورش مؤسساتي حقق نتائج غير مسبوقة قارياً ودولياً.
هذه الثنائية هي سر قوة لقجع.
فهو ليس سياسياً تقليدياً يعيش على الخطابات، ولا تكنوقراطياً منعزلاً عن الرأي العام، بل مسؤول استطاع أن يجمع بين الإدارة الصارمة والنجاح الشعبي، وهي معادلة نادرة في الحياة العامة المغربية.
لقد أصبح الرجل مرتبطاً في أذهان المغاربة بصورة الإنجاز. فمن نهضة بركان إلى الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ومن إصلاح الميزانية إلى الإشراف على مشاريع رياضية كبرى، ظل يقدم نفسه باعتباره رجل الأرقام والنتائج أكثر من كونه رجل الشعارات.
وهذا بالضبط ما تحتاجه المرحلة المقبلة.
فالمغرب يدخل سنوات مفصلية تتداخل فيها رهانات كأس العالم 2030 مع الأوراش الاجتماعية والاقتصادية الكبرى، وهي مرحلة تحتاج إلى مسؤولين يجيدون تدبير المشاريع المعقدة أكثر مما يجيدون إدارة الحملات الانتخابية.
لكن هل يكفي النجاح الإداري للوصول إلى رئاسة الحكومة؟
ليس بالضرورة.
فالمنصب في المغرب لا تحسمه الكفاءة وحدها، بل تحدده أيضاً موازين القوى الحزبية، ونتائج الانتخابات، والتحالفات السياسية، والسياق العام. ولذلك فإن الحديث عن وصول لقجع إلى رئاسة الحكومة يبقى في دائرة الاحتمالات السياسية، لا الحقائق المؤكدة.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل أن الرجل يملك عدداً من أوراق القوة. أولها، رصيد الإنجازات الملموسة. ثانيها، حضوره القوي داخل مؤسسات القرار المالي والرياضي.ثالثها، شبكة علاقات دولية واسعة عززتها مناصبه داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم ودوائر القرار الرياضي العالمي ورابعها، قدرته على مخاطبة الرأي العام بلغة الإنجاز، وهي لغة أصبحت أكثر تأثيراً من الخطابات الإيديولوجية التقليدية.
في المقابل، يواجه لقجع تحدياً لا يقل أهمية. فالانتقال من رجل دولة تقني إلى زعيم سياسي منتخب ليس مهمة سهلة.
النجاح في تدبير الملفات لا يعني بالضرورة النجاح في إدارة الأحزاب أو خوض المعارك الانتخابية أو تحمل كلفة القرارات السياسية اليومية.
كما أن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي التحق به فوزي لقجع سيجد نفسه أمام شخصية ذات حضور قوي قد تعيد رسم موازين القوى داخله، وهو ما يجعل استقطابه قراراً سياسياً معقداً وليس مجرد عملية انتخابية.
بمعنى آخر، فلقجع اليوم ليس مجرد وزير أو رئيس جامعة لكرة القدم، بل أصبح رقماً صعباً في المعادلة السياسية المغربية، وأحد الأسماء التي يصعب تجاوزها عند الحديث عن مرحلة ما بعد انتخابات 2026.
وربما تكون المفارقة الأجمل أن الرجل الذي اعتاد إدارة المباريات من المدرجات وغرف الاجتماعات، قد يجد نفسه يوماً مطالباً بإدارة المباراة الأصعب… مباراة قيادة الحكومة.
لكن حتى يحين ذلك، سيظل كل ما يقال مجرد قراءة سياسية مشروعة، لا أكثر ولا أقل، لأن السياسة المغربية كثيراً ما فاجأت المتابعين بأسماء لم تكن في دائرة التوقعات، كما أطاحت بأسماء بدت يوماً أقرب من أي وقت مضى إلى قمة الهرم التنفيذي.



