أخبارالرئيسيةفي الصميممغاربة العالم

في كل حركة بركة..أثر المشي في تنمية التفكير الإبداعي


ألمانيا – منير لكماني

يعد الإبداع من أهم القدرات العقلية التي يحتاج إليها الإنسان في حياته العلمية والعملية، إذ يساعده على اكتشاف حلول جديدة للمشكلات، والنظر إلى المواقف من زوايا متعددة، وتطوير أفكار تتسم بالأصالة والملاءمة. وعلى الرغم من ارتباط الإبداع غالبا بالتدريب العقلي والمعرفة والخبرة، فإن النشاط الجسدي البسيط يمكن أن يؤدي دورا مهما في تنشيط هذه القدرة. ويأتي المشي في مقدمة الأنشطة التي تجمع بين سهولة الممارسة والفوائد الصحية والعقلية.

لا يقتصر التفكير الإبداعي على إنتاج أفكار غريبة أو غير مألوفة، بل يقوم على الجمع بين الجدة والفائدة. فالفكرة الإبداعية ينبغي أن تكون مختلفة عن الحلول التقليدية، وأن تكون في الوقت نفسه قابلة للتطبيق ومناسبة للسياق. ويتطلب الوصول إليها قدرا من المرونة الذهنية، يسمح للفرد بالإنتقال بين احتمالات متعددة، وتكوين روابط جديدة بين عناصر تبدو متباعدة.

يساعد المشي على تنشيط هذا النوع من التفكير، لأنه يخفف من حالة الجمود التي قد يسببها الجلوس الطويل. فعندما يتحرك الجسم بإيقاع طبيعي، يصبح العقل أكثر استعدادا للإنتقال من فكرة إلى أخرى، ويزداد تدفق الصور والمعاني والذكريات. ولهذا يلاحظ كثير من الناس أنهم يتوصلون إلى أفكار جديدة أثناء السير، ولا سيما عندما يكون المشي هادئا ولا يتطلب جهدا بدنيا كبيرا.

ويظهر أثر المشي بصورة خاصة في التفكير المتشعب، وهو القدرة على توليد عدد كبير من الحلول أو الإستخدامات أو التفسيرات الممكنة. ففي هذا النوع من التفكير لا يبحث الإنسان عن إجابة واحدة محددة، بل يحاول إكتشاف بدائل متنوعة. وقد يساعد المشي على تحرير الذهن من الرقابة الصارمة التي تستبعد الأفكار غير المألوفة بسرعة، مما يتيح ظهور إقتراحات أكثر تنوعا وأصالة.

ولا ترتبط هذه الفائدة بالمشي في الحدائق أو الأماكن الطبيعية وحدها، بل يمكن أن تتحقق أيضا عند المشي داخل المباني أو على جهاز ثابت. فالبيئة الخارجية قد تقدم منبهات بصرية وسمعية تغذي الخيال، إلا أن فعل المشي نفسه يظل عاملا أساسيا في تنشيط تدفق الأفكار. وهذا يجعل المشي وسيلة متاحة يمكن ممارستها في ظروف مختلفة، سواء داخل مكان العمل أو في المنزل أو في فضاء مفتوح.

ومن الجوانب المهمة أن أثر المشي لا ينتهي بالضرورة عند التوقف عن الحركة، بل قد يستمر مدة قصيرة بعد الجلوس. ولذلك يمكن الإستفادة منه قبل البدء في مهمة تحتاج إلى الكتابة أو التصميم أو التخطيط أو إقتراح الحلول. فقد تكون نزهة قصيرة قبل إجتماع للعصف الذهني أو قبل إعداد مشروع جديد أكثر فائدة من البقاء أمام المكتب ومحاولة إجبار العقل على إنتاج الأفكار.

ومع ذلك، لا ينبغي الإعتقاد بأن المشي يحسن جميع أنواع الأداء العقلي بالدرجة نفسها. فالمهام التي تتطلب التركيز الشديد والوصول إلى إجابة واحدة دقيقة قد تكون أنسب في حالة الجلوس والهدوء. أما المشي، فيبدو أكثر فائدة خلال المرحلة الأولى من العمل الإبداعي، أي مرحلة جمع الإحتمالات وتوليد البدائل. وبعد ذلك يمكن العودة إلى الجلوس من أجل تحليل الأفكار وتقويمها واختيار الأفضل منها.

ويمكن تفسير العلاقة بين المشي والإبداع بعدة عوامل مترابطة. فالحركة الخفيفة قد تحسن المزاج وتقلل التوتر، وهما عاملان يساعدان على الانفتاح الذهني. كما قد تسهم في تنشيط الدورة الدموية وزيادة اليقظة العقلية. ومن المحتمل أيضا أن يسمح الإيقاع المنتظم للمشي للذاكرة الترابطية بالعمل بحرية أكبر، فتظهر أفكار بعيدة كانت محجوبة بسبب التركيز الضيق أو القلق.

وتتضح أهمية هذه الفوائد في مجالي التعليم والعمل. فالطالب الذي يواجه صعوبة في كتابة موضوع أو إبتكار فكرة يمكنه أن يأخذ جولة قصيرة قبل العودة إلى مهمته. كما تستطيع المؤسسات تشجيع الإجتماعات المتحركة أو تخصيص فترات للمشي خلال يوم العمل، بدلا من الإعتماد الكامل على الجلوس المطول. ويسهم ذلك في تحسين الصحة العامة، إلى جانب دعم الإبتكار والإنتاج الفكري.

يمثل المشي أداة بسيطة وفعالة لتنمية التفكير الإبداعي، لأنه يساعد على زيادة تدفق الأفكار، وتعزيز المرونة العقلية، وتكوين روابط جديدة بين المعارف والخبرات. ولا يعني ذلك أن الحركة تغني عن التعلم أو الخبرة أو التفكير المنظم، لكنها توفر حالة ذهنية مناسبة لبداية العملية الإبداعية. ومن ثم، فإن إدماج المشي في الحياة اليومية يعد ممارسة نافعة للجسد والعقل معا، وخطوة عملية نحو بيئة أكثر نشاطا وإبداعا.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button