أفريقيا أمام مشهد شديد التعقيد..حروب وأزمات صحية وانتخابات

الرادار الإفريقي | صباح الجمعة 21 غشت 2026
في صباح إفريقي جديد، تبدو القارة أمام مشهد شديد التعقيد؛ حروب لم تنتهِ، انتخابات تفتح أبواباً جديدة، وأزمات صحية تعود إلى الواجهة، وسعي متزايد نحو امتلاك القرار الاقتصادي والأمني بعيداً عن الوصفات الجاهزة. وبذلك تكون القارة الافريقية أمام أسبوع ساخن فالسودان يشتعل، والكونغو تواجه «إيبولا» والحرب، وزامبيا تختبر ديمقراطيتها، والساحل يعيد رسم معادلات الأمن، وهذه أبرز الأحداث التي تستحق أن تكون تحت مجهر “الرادار الإفريقي”اليوم.
السودان.. كردفان تتحول إلى جبهة الخطر الجديدة
لم تعد المعركة السودانية محصورة في الخرطوم أو دارفور، فإقليم كردفان يتقدم بسرعة إلى قلب الحرب، مع استمرار هجمات قوات الدعم السريع على قرى في شمال كردفان، وسقوط قتلى ونزوح مئات الأسر خلال الأيام الأخيرة.
وتزداد خطورة المشهد حول الأبيض، المدينة الاستراتيجية التي باتت تحت ضغط عسكري وإنساني كبير، فيما تشير تقارير حديثة إلى أن أكثر من 200 ألف شخص نزحوا حديثاً في منطقة كردفان بسبب تصاعد القتال.
فالمعركة على كردفان ليست مجرد فصل جديد من الحرب؛ إنها معركة على الممرات التي تربط وسط السودان بغربه. ومن يفرض نفوذه هناك قد يمتلك ورقة مهمة في تحديد شكل السودان بعد الحرب.
الكونغو الديمقراطية..الحرب تلتقي مع “إيبولا”
في شرق الكونغو الديمقراطية، تتقاطع أزمتان في وقت واحد، الصراع المسلح والأزمة الصحية. فقد أعلنت حركة M23/AFC فرض قيود جديدة على الحركة في مناطق تخضع لسيطرتها، مبررة ذلك بمحاولة منع انتقال فيروس إيبولا من المناطق المتضررة إلى مناطق أخرى.
وهنا تكمن المفارقة؛ جماعة مسلحة تتحول، ولو مؤقتاً، إلى طرف في إدارة أزمة صحية عامة، بينما لا تزال التسوية السياسية والعسكرية في شرق البلاد تواجه تعقيدات كبيرة. وتؤكد تحليلات حديثة استمرار هشاشة الوضع الأمني وتعدد القوى المسلحة المتداخلة في الصراع.
في الكونغو، لم تعد الثروات المعدنية وحدها محور الصراع؛ الجغرافيا، السكان، الممرات التجارية، والقدرة على التحكم في المجال الصحي والأمني أصبحت كلها أدوات نفوذ.
زامبيا.. انتخابات تنتهي بصندوق الاقتراع وتبدأ في المحكمة
بعد الانتخابات العامة التي جرت في 13 غشت، يتجه المشهد السياسي الزامبي إلى مرحلة جديدة بعدما أُعلن فوز الرئيس هاكايندي هيشيليما بولاية ثانية. لكن المعارضة أعلنت عزمها الطعن في النتائج أمام القضاء، متحدثة عن مخالفات انتخابية. وكانت بعثة الاتحاد الإفريقي و«الكوميسا» قد واكبت العملية الانتخابية، في مؤشر على أهمية الاستحقاق بالنسبة إلى صورة الديمقراطية في القارة.
السؤال بالنسبة إلى زامبيا لم يعد فقط: من فاز؟ بل أصبح؛ هل تستطيع المؤسسات الزامبية تحويل الخلاف حول النتائج إلى مسار قانوني يحافظ على الاستقرار والثقة في العملية الديمقراطية؟
الساحل..تحالفات جديدة وأزمة أمنية
في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، تواصل دول تحالف دول الساحل بناء مقاربة أمنية وسياسية أكثر استقلالاً عن الأطر الغربية التقليدية. لكن التحدي الأمني ما زال ضخماً. وتشير معطيات حديثة عرضها مجلس السلم والأمن الإفريقي إلى 2,640 وفاة مرتبطة بالنزاعات و1,179 حادثاً أمنياً في منطقة الساحل الأوسط خلال الربع الأول من 2026، إضافة إلى ملايين النازحين واللاجئين.
وفي الوقت نفسه، تواجه دول التحالف هشاشة في الممرات التجارية والإمدادات، خصوصاً اعتمادها على عدد محدود من المنافذ والممرات نحو البحر.
فالساحل يحاول بناء استقلال أمني وسياسي، لكن الاستقلال الحقيقي لا يُقاس فقط بخروج القوات الأجنبية؛ بل بقدرة الدولة على حماية المواطن، وتأمين الغذاء والطاقة والطرق، وخلق اقتصاد قادر على الصمود.
إفريقيا والثروات الحرجة..منجم العالم أم مصنع المستقبل؟
يتصاعد السباق الدولي على المعادن الحرجة الإفريقية، في وقت بدأت فيه بعض الاستثمارات الصينية تنتقل من مجرد استخراج الخام إلى بناء منشآت للمعالجة والتصنيع داخل القارة.
وهذه النقلة مهمة جداً؛ لأنها تضع إفريقيا أمام السؤال الذي طالما تهربت منه؛ هل ستبيع إفريقيا ثرواتها كما هي، أم ستبيع للعالم منتجات مصنعة تحمل قيمة مضافة إفريقية؟ المعركة القادمة لن تكون فقط حول من يملك المنجم، وإنما حول من يملك التكنولوجيا والمصانع وسلاسل القيمة.
الاتحاد الإفريقي..اختبار جديد لفكرة “الحلول الإفريقية”
في ظل استمرار أزمات السودان والكونغو والساحل، يظل الاتحاد الإفريقي أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على وحدة الموقف الإفريقي، وتحويل مبدأ «الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية» إلى قدرة فعلية على التأثير.
واللافت أن الاتحاد الإفريقي يواصل هذا الصيف تحركاته بشأن ملفات الأمن والسلام والانتخابات، بما فيها متابعة الوضع في الساحل والانتخابات الزامبية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو، هل تستطيع إفريقيا أن تنتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول؟
مؤشر إفريقيا | اليوم
| المؤشر | الاتجاه | الدلالة |
| الأمن والاستقرار | متراجع | استمرار بؤر الصراع في السودان والكونغو والساحل |
| الديمقراطية والانتخابات | تحت الاختبار | نتائج انتخابية وخلافات سياسية تضع المؤسسات أمام امتحان جديد |
| الاقتصاد والاستثمار | صاعد | تزايد التنافس الدولي على الأسواق والثروات الإفريقية |
| المعادن الاستراتيجية | صاعد بقوة | انتقال المنافسة من استخراج الخام إلى التصنيع وسلاسل القيمة |
| الأمن الغذائي | مقلق | النزاعات والمناخ والمياه تضغط على الإنتاج الزراعي |
| الاستقلال الاستراتيجي | يتقدم | تنامي البحث الإفريقي عن شراكات وخيارات أقل ارتهاناً لمحور واحد |
| التكامل الإفريقي | بطيء | استمرار الفجوة بين الطموح المؤسساتي والقدرة على التدخل الفعلي |
خلاصة الرادار
المشهد الإفريقي اليوم لا يمكن اختزاله في أخبار متفرقة عن حرب هنا وانتخابات هناك. ذلك أن القارة تعيد ترتيب أوراقها على ثلاثة مستويات في وقت واحد؛ الأول: الأمن والسيادة- من السودان إلى الساحل والكونغو.
الثاني: الديمقراطية والمؤسسات – من زامبيا إلى الاستحقاقات المقبلة في عدد من الدول، والثالث: الاقتصاد والثروة – من المعادن الحرجة إلى التصنيع وسلاسل القيمة.
صحيح أن إفريقيا تتحر، لكن وسط رياح معاكسة. القارة تتقدم في الاستقلال الاستراتيجي والبحث عن القيمة المضافة لثرواتها، لكنها ما تزال تدفع ثمناً باهظاً لاستمرار النزاعات، هشاشة الأمن الغذائي، وضعف القدرة الجماعية على إدارة الأزمات.
نقرأ إفريقيا من الرباط..ونقرأ العالم من إفريقيا.



