أخبارالرئيسيةفي الصميم

أزمة الثقة بين الشارع والمؤسسات.. كيف تُبنى جسور المصالحة السياسية؟

بقلم: عبدالرحمن خالدي

يواجه المشهد السياسي المغربي اليوم واحداً من أدق الاختبارات التي تمس عمق العملية الديمقراطية، والمتمثل في معالجة “أزمة الثقة” المتنامية بين المواطن والمؤسسات المنتخبة. فرغم أهمية الأرقام والمقاعد والتحالفات التي أفرزتها المحطة الانتخابية الأخيرة، يبقى السؤال الجوهري المطروح في الصالونات السياسية وفي النقاش العمومي: كيف يمكن للحكومة القادمة أن تبني جسوراً متينة للمصالحة مع الشارع؟

إن المتأمل في واقع العلاقة بين المواطن والمؤسسة التنفيذية يدرك أن المسألة تتجاوز مجرد تدبير محطة سياسية عابرة، بل تتعلق بضرورة إعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس واقعية تلامس انشغالات المواطن اليومية

أولاً: كسر “التواصل الموسمي” وتبني الصراحة

أولى خطوات المصالحة تبدأ من مراجعة المنظومة التواصلية للفاعل السياسي. فالشارع المغربي بات يرفض الخطابات الجاهزة والوعود الفضفاضة التي يقتصر ظهورها على الفترات الانتخابية. ما يحتاجه المواطن اليوم هو خطاب يتسم بالصراحة والوضوح، خطاب يشرح الإكراهات الاقتصادية والتحديات التنموية بكل واقعية دون تجميل للحقائق، لأن بناء الثقة يبدأ أولاً من احترام ذكاء المواطن وإشراكه في معرفة حقيقة الوضع المالي والاجتماعي للبلاد

ثانياً: ربط السياسة بالأثر الملموس في المعيش اليومي

لا يمكن الحديث عن ترميم الثقة في ظل وجود فجوة بين التقارير الرسمية التي تتحدث عن نسب النمو والمشاريع الكبرى، وبين ما يلمسه المواطن في معيشه اليومي. الرهان الحقيقي للحكومة الجديدة يكمن في تحويل تلك المؤشرات الإيجابية إلى واقع ملموس يحمي القدرة الشرائية للأسر، ويضمن تجويد الخدمات الأساسية في المستشفيات والمدارس العمومية. فالمواطن يقيس نجاح أي تجربة سياسية بمدى تلبية حاجياته الأساسية وتوفير شروط العيش الكريم

ثالثاً: تفعيل المحاسبة كإشارة سياسية قوية

إن استعادة هيبة المؤسسات وصورتها لدى الرأي العام تقتضي التفعيل الحقيقي والصارم لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. الشارع يحتاج إلى إشارات ميدانية واضحة تؤكد أن عهد التساهل مع التقصير أو هدر الزمن التنموي قد انتهى. عندما يرى المواطن أن هناك متابعة دقيقة لتنفيذ المشاريع، وأن هناك قطيعة مع الإفلات من المسؤولية، سيبدأ تدريجياً في تغيير نظرته السلبية تجاه العمل السياسي والتدبير العمومي

رابعاً: استيعاب الطاقات الشابة واللغة الرقمية

لم تعد قنوات التواصل التقليدية كافية للاستماع إلى نبض المجتمع، خصوصاً فئة الشباب التي باتت تصنع نقاشها الخاص وتعبّر عن طموحاتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. على الفاعل السياسي أن يطور أدوات اشتغاله، ويفتح قنوات إنصات حقيقية تستوعب طاقات الشباب وتشركهم في صناعة القرار، بدلاً من تركهم في موقع المتفرج، مما يساهم في تقليص نسب العزوف ويعيد الحيوية للنقاش الوطني

خلاصة

إن بناء جسور المصالحة بين الشارع والمؤسسات ليس ترفاً فكرياً أو شعاراً مرحلياً، بل هو ضرورة استراتيجية لتحصين الجبهة الداخلية للمملكة. فالمغرب مقبل على أوراش ومحطات كبرى تتطلب تلاحماً قوياً وتنسيقاً تاماً بين الدولة والمجتمع، والنجاح في هذا التحدي هو الصمام الأمان الحقيقي لربح رهانات المستقبل

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button