الموريتاني ولد أبو بكر يوقع “زمن العبور الهادئ” و البطيوي: موريتانيا تستحق حضوراً أكبر في المشهد الثقافي والإعلامي

أصيلة-عبدالسلام العزوزي
اختار رئيس الوزراء الموريتاني الأسبق، سيدي محمد ولد أبو بكر، منصة موسم أصيلة الثقافي الدولي، في دورته الخريفية السابعة والأربعين، ليقدم كتابه الجديد «زمن العبور الهادئ.. حكاية الانتقال الديمقراطي في موريتانيا»، في لقاء جمع بين استعادة الذاكرة السياسية الموريتانية وفتح نقاش أوسع حول تجارب الانتقال الديمقراطي في العالمين العربي والإفريقي.
وجرى تقديم الكتاب وتوقيعه مساء السبت 3 أكتوبر الجاري، ضمن فعاليات موسم أصيلة، الذي اختار لهذه الدورة شعار «أصيلة.. أرض اللقاء والحوار»، ويستمر إلى غاية 18 أكتوبر، بمشاركة أكثر من 400 شخصية من مجالات الفكر والدبلوماسية والسياسة والثقافة والفن والإعلام.

وخلال اللقاء، عبر سيدي محمد ولد أبو بكر عن شكره لمؤسسة منتدى أصيلة على استضافته، مشيداً بالجهود التي يبذلها الأمين العام للمؤسسة، حاتم البطيوي، في مواصلة المسار الذي أرساه مؤسس المنتدى الراحل محمد بن عيسى.
وأكد المؤلف أن كتابه لا يندرج، بالمعنى التقليدي، ضمن كتب المذكرات، بقدر ما يمثل محاولة لتوثيق مرحلة محددة من تاريخ الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وصفها بأنها قصيرة زمنياً لكنها بالغة الأهمية، بحكم مشاركته المباشرة فيها من موقع المسؤولية الحكومية.
وأوضح أن الكتاب يقدم قراءة من الداخل لتجربة الانتقال الديمقراطي في موريتانيا، مع الحرص، بحسب تصوره، على مقاربة موضوعية تستعيد تفاصيل تلك المرحلة وتعيد طرح أسئلتها أمام القارئ، انطلاقاً من تجربة أحد الفاعلين الأساسيين فيها.
ويراهن ولد أبو بكر على أن يتجاوز الكتاب حدود التجربة الموريتانية، ليشكل مدخلاً إلى نقاش أوسع بشأن تجارب الانتقال السياسي والديمقراطي في العالم العربي والقارة الإفريقية، خصوصاً ما يرتبط بإدارة مراحل التحول، وبناء الثقة والمؤسسات، وتدبير العلاقة بين الدولة والقوى السياسية خلال الفترات الانتقالية.
وكشف رئيس الوزراء الموريتاني الأسبق أن الكتاب صدرت له مؤخراً ترجمة باللغة الفرنسية عن دار النشر الباريسية «إريك بونييه»، بما يفتح أمام هذه التجربة مجالاً أوسع للتداول والقراءة خارج الفضاء العربي.
شهادة رجل دولة في مرحلة مفصلية
وفي تقديمه للكتاب، توقف الإعلامي المغربي عبد الإله التهاني عند المسار السياسي والدبلوماسي والاقتصادي لمؤلفه، مبرزاً أنه جمع بين الخبرة الاقتصادية والمسؤولية السياسية والعمل الدبلوماسي، إذ سبق له أن تولى حقيبة المالية ورئاسة الحكومة مرتين، كما قاد الحكومة الانتقالية الموريتانية خلال الفترة الممتدة بين 2005 و2007.

واعتبر التهاني أن هذه التجربة تمنح الكتاب أهمية تتجاوز السيرة الشخصية لمؤلفه، باعتباره شهادة أحد الفاعلين المباشرين في مرحلة دقيقة من تاريخ موريتانيا، وتجعله وثيقة مفتوحة على أسئلة أوسع تتصل بالدولة والاستقرار والتحول السياسي في المغرب العربي وإفريقيا.
وأضاف أن أهمية الكتاب تكمن أيضاً في إتاحته فرصة للتأمل في كيفية إدارة الانتقالات السياسية، وبناء الثقة وتحمل المسؤولية في اللحظات التي تعرف فيها الدول تحولات عميقة، معتبراً أن تجارب رجال الدولة تكتسب قيمتها حين تتحول إلى معرفة متاحة للأجيال اللاحقة.
البطيوي: موريتانيا تستحق حضوراً أكبر في المشهد الثقافي والإعلامي
من جانبه، عبر الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، حاتم البطيوي، عن سعادته بإدراج توقيع الكتاب ضمن برنامج الدورة السابعة والأربعين، بالنظر إلى ما يتضمنه من مادة تساعد على قراءة تجربة الانتقال الديمقراطي في موريتانيا من زاوية أحد المشاركين فيها.

وشدد البطيوي على أن الاهتمام بموريتانيا، باعتبارها دولة وشعباً شقيقاً، لا يزال دون مستوى الروابط التي تجمعها بالمغرب، داعياً إلى حضور أكبر للشأن الموريتاني في المجالات الثقافية والإعلامية والسياسية والاقتصادية.
ويأتي هذا النقاش في صلب فلسفة موسم أصيلة، الذي دأب منذ عقود على تحويل المدينة إلى فضاء مفتوح للحوار بين السياسي والمثقف والمفكر والفنان والإعلامي، وعلى استضافة قضايا تتجاوز الحدود الوطنية نحو أسئلة المغرب العربي وإفريقيا والعالم.
مسار دبلوماسي وسياسي حافل
ويحمل سيدي محمد ولد أبو بكر تجربة سياسية ودبلوماسية واسعة؛ فقد شغل منصب الوزير الأول في موريتانيا لولايتين، كما مثل بلاده دبلوماسياً في عدد من العواصم، من بينها مدريد وباريس والقاهرة، فضلاً عن عمله في البعثة الدائمة للجمهورية الإسلامية الموريتانية لدى الأمم المتحدة في نيويورك.
ومن هذه الخلفية، يكتسب «زمن العبور الهادئ» أهمية خاصة باعتباره محاولة لقراءة تجربة سياسية من داخل مؤسسات الدولة، لا مجرد استعادة شخصية لأحداث الماضي.
أصيلة.. من الحوار الإفريقي إلى الكتاب والفن والشعر
ويأتي توقيع الكتاب ضمن برنامج خريفي حافل لموسم أصيلة، افتتح بندوة دولية حول «الرهانات الطاقية والمائية في إفريقيا والمشاريع الاستراتيجية: نحو جغرافية سياسية جديدة» يومي 2 و3 أكتوبر، حيث انصب النقاش على التحولات الاستراتيجية التي تعرفها القارة، وتحديات الأمنين المائي والطاقي، وتغير موازين القوى والشراكات الدولية.

ويواصل الموسم برنامجه بندوة تكريمية حول «طوني مارايني والمشهد التشكيلي المغربي» يومي 5 و6 أكتوبر، قبل أن ينتقل في 10 و11 أكتوبر إلى نقاش موضوع «العالم العربي في أفق 2030: التحديات والتحولات والآفاق»، إلى جانب ندوة حول تجربة الكاتب حسونة المصباحي في 15 أكتوبر.
كما يتضمن البرنامج «خيمة الإبداع» المخصصة هذه السنة لموضوع «مبارك ربيع: أصالة الكاتب ومدارج الكتابة»، فضلاً عن اللقاء الشعري الرابع حول تحولات الشعر العربي وتداخل الوسائط، والدورة الثامنة لجائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب.

ولا تقتصر فعاليات الدورة على الندوات واللقاءات الفكرية، إذ تحضر الفنون التشكيلية بقوة من خلال المعارض والورشات والمشاغل الإبداعية، إلى جانب العروض الموسيقية واللقاءات الأدبية، بما يعكس الطابع المتعدد لموسم أصيلة كموعد يجمع الفكر بالفن والأدب والحوار الدولي.
وهكذا، لا يأتي تقديم كتاب سيدي محمد ولد أبو بكر في أصيلة باعتباره مجرد محطة لتوقيع إصدار جديد، وإنما كحلقة ضمن تقليد ثقافي يربط الكتاب بالذاكرة، والسياسة بالفكر، والتجربة الوطنية بالأسئلة الإفريقية والعربية الأوسع، في مدينة اختارت، منذ انطلاق موسمها الثقافي، أن تجعل من الحوار إحدى أدواتها الأساسية لقراءة التحولات التي يشهدها العالم.



