أخبارالرئيسيةثقافة و فنجهات المملكة

موسم أصيلة..إدريس كسيكس يوقع «أنسجة الفوضى» ويستعيد تحولات الدار البيضاء بلغة الرواية

أصيلة – عبدالسلام العزوزي

احتضنت مدينة أصيلة، في إطار فعاليات الدورة الخريفية لموسم أصيلة الثقافي الدولي السابع والأربعين، حفل تقديم وتوقيع رواية الكاتب والمسرحي إدريس كسيكس «أنسجة الفوضى»، في لقاء أدبي وفكري جمع الكاتب بعدد من المثقفين والباحثين والنقاد، وفتح نقاشا حول علاقة الرواية بالمدينة، وتحولات المجال الحضري، ودور الأدب في قراءة التحولات الاجتماعية والإنسانية.

وتندرج هذه الفعالية ضمن البرنامج الثقافي المتنوع للدورة الخريفية من موسم أصيلة، المنظمة تحت شعار «أصيلة.. أرض اللقاء والحوار»، والتي تتواصل إلى غاية 18 أكتوبر الجاري، بمشاركة نخبة من المفكرين والكتاب والمبدعين والشخصيات السياسية والدبلوماسية من المغرب وخارجه.

وتتميز الدورة الحالية ببرنامج غني يجمع بين الندوات الفكرية واللقاءات الأدبية والتوقيعات والحوارات الثقافية، إلى جانب فقرات تتناول قضايا إفريقيا والتحولات الجيوسياسية والاقتصادية والثقافية، فضلا عن الأنشطة الفنية والإبداعية التي جعلت من موسم أصيلة على مدى عقود فضاء للحوار بين الثقافات والأفكار.

حاتم البطيوي: الرواية قراءة مركبة للمجال المديني المغربي

من جانبه، اعتبر رئيس منتدى أصيلة، حاتم البطيوي، أن «أنسجة الفوضى» تقدم مساهمة أدبية لافتة في تناول المجال المديني المغربي، وبشكل خاص مدينة الدار البيضاء بما تختزنه من حمولة عمرانية وتاريخية، وما تعرفه من تداخلات بشرية واجتماعية وثقافية معقدة.

وأكد البطيوي أن العمل يتجاوز البناء الروائي التقليدي، ويقترح تجربة سردية مركبة تفتح أسئلة عميقة حول تحولات الزمن الراهن، خصوصا في مرحلة ما بعد الثورة الرقمية، حيث تتداخل مفاهيم النظام والفوضى، وتتقاطع الذاكرة الفردية مع واقع اجتماعي متغير باستمرار.

وأضاف أن الرواية تدعو القارئ إلى إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الفرد والعالم الذي يعيش داخله، وكيف تتحول التجارب الشخصية إلى جزء من التحولات الجماعية، مبرزا قدرة الأدب على تحويل هذا التشابك إلى مساحة للتأمل وإعادة اكتشاف الذات والآخر.

«أنسجة الفوضى»..مدينة الدار البيضاء في مرآة الرواية

وتعد رواية «أنسجة الفوضى»، الصادرة أصلا باللغة الفرنسية سنة 2023، ثالث تجربة روائية لإدريس كسيكس، وقد صدرت حديثا في ترجمة عربية أنجزها الكاتب والمترجم محمد حمودان، في نحو 281 صفحة عن دار الفنك.

الروائي ادريس كسيكس

وتغوص الرواية في التحولات التي عرفها المشهد الحضري لمدينة الدار البيضاء، من خلال سبع شخصيات محورية، مستحضرة تعقيدات المدينة وتداخل الذاكرة الفردية مع التحولات العمرانية والاجتماعية.

ولا تكتفي الرواية برصد المدينة باعتبارها فضاء جغرافيا، بل تجعل منها شخصية سردية قائمة بذاتها، تتقاطع داخلها حكايات الأفراد مع تحولات المجتمع، فيما تتحول الأعمال الفنية إلى مرايا تكشف جوانب من علاقة الإنسان بذاته وبالعالم المحيط به.

وأعرب كسيكس عن تقديره للترجمة العربية للعمل، معتبرا أنها نجحت في استعادة عدد من الدلالات المرتبطة بالمكان والأسماء والتفاصيل المادية للحياة اليومية، ومنحت النص، بحسب تعبيره، بعدا تخييليا حافظ على روحه الأصلية.

من «رواية المدينة» إلى تفكيك الفوضى الحضرية

وأوضح إدريس كسيكس، خلال اللقاء، أن اختياره هذا النوع من الكتابة تأثر، على مدى عقود، بتجربة الروائي الأمريكي توماس بينشون، أحد أبرز أسماء أدب ما بعد الحداثة، خصوصا في طريقة مقاربته لتحولات المجتمع وتشابك عناصره.

وأشار إلى أن اهتمامه بما يعرف بـ**«رواية المدينة»** يمتد لأكثر من 35 سنة، باعتبارها شكلا سرديا يسعى إلى التقاط التعقيد الجمالي والاجتماعي للفضاء الحضري، وتحويل المدينة من مجرد خلفية للأحداث إلى عنصر فاعل في بناء الحكاية.

وكشف الكاتب أن روايته ترتبط بثلاث محطات أساسية من تجربته الشخصية في الدار البيضاء؛ أولها ذكريات الدراسة بثانوية مولاي عبد الله وتأثره بأستاذه لمادة التاريخ والجغرافيا، وثانيها هدم مدرسة يعود تاريخ بنائها إلى عشرينيات القرن الماضي، بما مثلته من جزء من الذاكرة والتراث اللامادي للمدينة، فيما تتصل المحطة الثالثة بالتحولات العمرانية والاجتماعية التي طالت الأحياء القديمة للدار البيضاء قبل نحو ثلاثة عقود.

شرف الدين مجدولين: الرواية مدينة مفتوحة على الزمن

بدوره، توقف الباحث والناقد والأكاديمي المغربي شرف الدين مجدولين عند العلاقة المركبة بين المدينة والرواية، وهي علاقة تعود، بحسبه، إلى مراحل مبكرة من تطور الرواية الحديثة.

واعتبر مجدولين أن «أنسجة الفوضى» تقوم على ثلاثة مستويات رئيسية، تتمثل في المعماري اللغوي، والفني المسرحي، والوجودي المعرفي، بما يمنح العمل تعددا في مستويات القراءة والتأويل.

وأشار إلى أن الرواية، بخلاف المسرح الذي يقوم على لحظة مكثفة ومحددة فوق الخشبة، تتيح التمدد في الزمن واستيعاب المستقبل وتعدد الأمكنة والتجارب، وهو ما جعل الكاتب يستثمر مفهوم الرواية باعتبارها «مدينة» مفتوحة تستوعب قضايا التمدد العمراني، وإشكالات السكان، وأسئلة الانتماء والذاكرة.

موسم أصيلة.. الثقافة بوصفها فضاء للحوار

ويأتي توقيع «أنسجة الفوضى» في سياق موسم ثقافي يواصل ترسيخ موقع أصيلة كفضاء دولي للحوار الفكري والثقافي، حيث تتقاطع خلال الدورة الخريفية الحالية الأدبيات والفنون مع قضايا السياسة والاقتصاد والتحولات الإفريقية والدولية.

ويشكل البرنامج الخريفي للموسم مناسبة لاستضافة كتاب ومفكرين ومبدعين وشخصيات سياسية ودبلوماسية، إلى جانب ندوات ولقاءات تناقش قضايا راهنة، بما يعكس فلسفة الموسم القائمة على جعل الثقافة جسرا للتواصل والحوار بين المغرب ومحيطه الإفريقي والعربي والدولي.

ومن بين الأسماء التي أثرت فقرات هذه الدورة، برزت لقاءات أدبية وفكرية تناولت قضايا الديمقراطية والتحولات السياسية، إلى جانب حضور لافت للبعد الإفريقي، من خلال نقاشات مرتبطة بالتنمية والطاقة والمياه ومستقبل القارة، فضلا عن حفلات توقيع وإصدارات أدبية وفكرية جديدة.

كما شهدت الدورة حضور عدد من الأسماء العربية والإفريقية والدولية، في مشهد يعكس استمرار موسم أصيلة في أداء دوره كموعد ثقافي يتجاوز الاحتفاء بالإبداع إلى مساءلة التحولات الكبرى التي يعرفها العالم.

إدريس كسيكس.. مسار بين المسرح والرواية والفكر

ويعد إدريس كسيكس، المزداد بالدار البيضاء سنة 1968، من الأسماء المغربية التي راكمت تجربة متعددة في الكتابة المسرحية والروائية والمقال، فضلا عن اهتمامه بالقضايا الأدبية والإعلامية والثقافية.

ومن أبرز أعماله كتاب «في مضيق ابن رشد»، الصادر عن دار الفنك سنة 2017 وعن دار فيار سنة 2019، إلى جانب كتاب «مهنة الفكر: حوار مع خمسة عشر مفكرا من المغرب»، الذي أنجزه بالاشتراك مع فاضمة آيت موس، ضمن منشورات الجامعة المواطنة.

وبتوقيع «أنسجة الفوضى» في رحاب موسم أصيلة، يضيف كسيكس محطة جديدة إلى مساره الأدبي، واضعا المدينة في قلب السؤال الروائي، ومقترحا على القارئ قراءة الدار البيضاء لا باعتبارها مجرد مكان للأحداث، وإنما باعتبارها ذاكرة حية تتقاطع فيها العمارة والإنسان والفن والتحولات الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button