أخبارالرئيسيةثقافة و فن

آن كارسون والخطيبي وبنيس: شعرية الذاكرة واللون

ألمانيا-منير لكماني

ما الذي يجمع كائنا أحمر من الأساطير الإغريقية، وطفولة مغربية تستعيدها لغة فرنسية، ولونا أزرق يتردد بين الوطن والقصيدة؟ تبدو المسافة واسعة، لكن نصوص آن كارسون وعبد الكبير الخطيبي ومحمد بنيس تفتح ممرا للمقارنة. فهذه الكتابة تبحث في الطريقة التي تتكون بها الذات، وتجعل اللغة شريكا في اكتشاف العالم. ومن هنا تبدأ قرابة يمكن فهمها دون تسوية الفروق بين أصحابها.

تكتب كارسون في «سيرة الأحمر»، بترجمة عربية للمقطع: «كان جيريون وحشا، وكان كل شيء فيه أحمر». يرد الوصف ضمن السيرة التي يؤلفها الفتى عن نفسه، فيصبح تعريف الذات جزءا من الحكاية. حمرة جيريون حقيقة جسدية داخل عالم متخيل، لكنها تحمل أيضا احتمالات الاختلاف والرغبة والجرح. وتأتي قوة الصورة من اجتماع هذه الاحتمالات، ومن التوتر بين ما يراه الآخرون وما يحاول الفتى فهمه عن نفسه.

يقابل هذا السؤال عند الخطيبي بحث في القوى التي صنعت الطفولة. ففي الترجمة العربية لـ«الذاكرة الموشومة» نقرأ: «القرآن بنى طفولتي». يستحق فعل «بنى» الانتباه؛ فالذاكرة تستعيد نصا أسهم في تشكيل الحساسية وإدراك العالم. ويصبح الرجوع إلى الماضي عملا في طبقات الذات، حيث تتداخل اللغة والطقوس والمكان. هكذا يلتقي الخطيبي وكارسون في مساءلة الهوية، وإن اختلفت المرجعيات التي تمنحها صورتها.

وتتعمق المقارنة حين يقول الخطيبي: «تجعل الذاكرة من مدينة ماضينا مجازا لنوستالجيا بيضاء». فالمدينة تعود وقد أعاد الحنين تشكيلها، ويتحول البياض إلى جزء من المسافة بين المكان وصورته المستعادة. وبالمقابل، تسكن الحمرة جسد جيريون وترافق حضوره المباشر. اللون عند كارسون ملازم لكائن يحاول معرفة نفسه، بينما يسهم عند الخطيبي في صياغة علاقة بما غاب. تتشابه الأداة الحسية، وتختلف حركة التجربة.

ويكشف قول جيريون، بترجمة المقطع، «الداخل ملكي»، وجها آخر لهذه القرابة وحدودها. تصدر العبارة عن طفل يحاول حفظ عالمه الداخلي بعد اعتداءات أخيه؛ إنها مطالبة بمساحة تخصه. أما الخطيبي فينقب في ذاكرته ليفهم ما تشكل فيه قبل أن يختاره. تتجه الكتابة الأولى نحو حماية الذات، وتتجه الثانية نحو تفكيك تكونها. وهذا اختلاف يثري المقارنة ويمنع تحويل الطفولتين إلى تجربة واحدة.

ومن الذاكرة ينتقل السؤال إلى الانتماء عند بنيس. يكتب في «هذا الأزرق»: «وطني/ أو هذا الأزرق/ كيف أميز بينهما». تتداخل صورة الوطن مع إحساس يصعب فصله عن اللون. ويمكن قراءة هذا الالتباس بجوار مدينة الخطيبي: المكان يستمر في اللغة بعدما يتجاوز وجوده الجغرافي. غير أن بنيس يترك العلاقة مفتوحة داخل سؤال، فتظل القصيدة تبحث عما يصل الوطن بالأزرق، وعما يفصل بينهما.

ثم يكتب بنيس: «أزرق ينظر إلي». تمنح العبارة اللون موقع الناظر، وتجعل الشاعر واقعا تحت نظرته. هنا تتضح المقارنة مع كارسون: حمرة جيريون تدخل في تعريفه، بينما يصبح الأزرق حضورا يواجه الذات ويغير علاقتها بما ترى. ينشأ التجريب من هذه الحركة داخل اللغة، ومن القدرة على نقل اللون بين الجسد والمكان والنظر. لذلك يضعف التأويل حين يجعل الأحمر ألما دائما، والأزرق سكينة ثابتة.

وتقود الأمثلة إلى اختلاف طرائق البناء. تحمل كارسون صورها داخل شخصيات وحوار ومسار سردي، ويصل الخطيبي استعادة الماضي بالتفكير في الذاكرة واللغة، بينما يفتح بنيس التجربة بالسؤال والإيقاع وتوزيع العبارة. تبدو صلة الخطيبي بكارسون أوضح في تداخل الحكاية والتأمل، وتبرز صلة بنيس بها في تحويل المحسوس إلى تجربة شعرية. المقارنة هنا تتبع ما تفعله الكلمات داخل النصوص، وتتجنب الاكتفاء بتشابه موضوعاتها.

مع ذلك، يبقى التجريب خاضعا للحكم النقدي. فالصورة تحتاج إلى تجربة تسندها، والمعرفة تحتاج إلى بناء يمنحها ضرورة فنية، والتأمل قد يثقل النص حين ينفصل عن تفاصيل الحياة. المعيار هو قدرة الكتابة على زيادة إدراكنا للتجربة، ومقاومة اختزالها في رمز جاهز أو فكرة تسبق النص وتفرض عليه معناها.

تلتقي كارسون والخطيبي وبنيس عند قدرة اللغة على إعادة تشكيل العلاقة بالذات والعالم، وتفترق طرقهم باختلاف الذاكرة والمرجعيات والأشكال. وهذه قرابة نصية لا تثبت تأثيرا مباشرا، وتضع الأدب المغربي داخل حوار تتعدد فيه أساليب التفكير والكتابة. وقيمة المقارنة أن نخرج منها أكثر انتباها: نرى في حمرة جيريون حياة، وفي مدينة الخطيبي ذاكرة تتحرك، وفي أزرق بنيس سؤالا يظل مفتوحا كلما ظننا أننا عرفنا لونه.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button