
بقلم/ ربيع كنفودي
حين يؤكد الملك محمد السادس للبرلمانيين من داخل قبة البرلمان، بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الأولى برسم الولاية التشريعية الثانية عشرة، بأن «الانتداب البرلماني هو التزام سياسي وتعاقد أخلاقي يربطكم بالمواطنين»، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد توجيه بروتوكولي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، بل يطرح إشكالية جوهرية تمس صميم الممارسة الديمقراطية، إلى أي حد يلتزم المنتخبون بالمسؤولية التي حملتهم إياها صناديق الاقتراع؟ وأين تنتهي الوعود الانتخابية لتبدأ المحاسبة السياسية؟
إن قوة هذه الرسالة الموجهة من داخل المؤسسة التشريعية، البرلمان، تكمن في أنها تعيد النقاش إلى جوهر الوظيفة البرلمانية، بعيدا عن ضجيج الشعارات الحزبية وخطابات المناسبات. فالانتداب البرلماني ليس امتيازا شخصيا أو تشريفا، ولا أيضا بطاقة عبور إلى دوائر النفوذ والوجاهة، ولا فرصة لتوسيع المصالح السياسية والانتخابية، إنما هو تفويض من المواطنين يفترض أن يترجم إلى تشريع فعال، ورقابة جادة، وترافع مسؤول عن القضايا التي تمسّ حياة المواطنين، وهو الأمر الذي يجعلنا نعيد طرح سؤال سبق أن طرحناه في مقالات عدة، هل استوعبت ما تسمي نفسها النخبة السياسية، بمختلف مكوناتها، المعنى الحقيقي لهذا التعاقد، أم أن الهوة بين الخطاب الانتخابي الذي تسوقه والأداء المؤسساتي الذي تمارسه ما تزال إحدى أبرز مفارقات الحياة السياسية؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب التمثيل السياسي ليس اختلاف المواطنين مع قرارات ممثليهم، بل شعورهم بأن أصواتهم تفقد قيمتها بمجرد إغلاق مكاتب التصويت. فالناخب الذي يكون محط اهتمام كبير قبل الانتخابات، ثم لا يجد من يصغي إلى مطالبه بعدها، يصبح أمام تجربة سياسية تضعف معنى المشاركة وتجعلنا أمام باب العزوف السياسي، وتطرح علامات استفهام حول جدوى الوعود التي قدمت باسمه. ومن هنا، فإن التعاقد الأخلاقي الذي أشار إليه الخطاب الملكي يقتضي مساءلة كل برلماني عن المسافة الفاصلة بين ما وعد به وما أنجزه، وبين ما دافع عنه أمام الناخبين وما اختاره فعليا داخل المؤسسة التشريعية.
وكما هو معلوم، أن فعالية البرلمان تقاس بما ينتجه من تشريعات، وما يمارسه من رقابة، وما يقدمه من تقييم موضوعي للسياسات العمومية، لا بعدد الخطب التي تُلقى ولا بحجم التصريحات التي تتصدر الأخبار.
فما قيمة التمثيل البرلماني إذا لم تتحول الأسئلة الرقابية إلى آليات فعالة لتوضيح الاختلالات؟ وما جدوى الجلسات والمناقشات إذا لم تنعكس على جودة التشريع أو على مساءلة المسؤولين عن تنفيذ السياسات العمومية؟ وأي معنى للمسؤولية التمثيلية إذا بقيت قضايا المواطنين حاضرة بقوة في الخطابات، وضعيفة الحضور في ترتيب الأولويات الفعلية؟
إن التأكيد على أن الانتداب البرلماني التزام سياسي وتعاقد أخلاقي يفتح المجال لقراءة أعمق لمسؤولية الفاعلين السياسيين. فالرسالة لا تتيح للبرلمانيين الاكتفاء بالاحتماء بشرعية الانتخابات، ولا تسمح بتحويل الفوز الانتخابي إلى مبرر لتأجيل المحاسبة إلى نهاية الولاية.
فالممارسة المؤسساتية تقتضي أن تتجاوز منطق الدفاع عن المواقع إلى منطق الدفاع عن جودة الأداء، وأن تتعامل الأغلبية مع الرقابة باعتبارها جزء من الديمقراطية، وأن تمارس المعارضة دورها بجدية ومسؤولية، وأن يصبح تقييم الحصيلة جزء من النقاش العمومي اليومي. اليوم، لا يكفي أن يتعهد البرلماني بخدمة المواطنين، بل ينبغي أن يكون قادرا على إثبات ذلك من خلال عمله، ولا يكفي أن يتحدث عن التنمية والعدالة الاجتماعية، بل ينبغي أن يوضح كيف ساهم في التشريع والمراقبة والترافع لتحقيقهما، ولا يكفي أن يستند إلى شرعية الاقتراع، بل عليه أن يحافظ على الثقة التي أنتجتها تلك الشرعية.
فالانتداب البرلماني ليس تفويضا بالصمت، ولا ترخيصا بالغياب عن انشغالات المجتمع، ولا حصانة من النقد؛ إنه مسؤولية تظل قائمة ما دامت الولاية مستمرة، ومن لا يستطيع تقديم حصيلة واضحة لعمله، وتفسير مواقفه، والدفاع عن اختياراته أمام المواطنين، عليه أن يدرك أنه لا يصلح أبدا ليحمل صفة ممثل الأمة والشعب.



