أخبارالرئيسيةثقافة و فن

حين تصبح النقطة كونا من الضوء..بناني يوقظ أسئلة الخفي والمرئي في قلب فاس

فاس- حنان الطيبي– الحدث الافريقي

ماذا لو كانت نقطة صغيرة قادرة على اختزال كون كامل؟ وماذا لو لم يكن الضوء مجرد وسيلة للرؤية، بل لغة تكشف ما تخفيه الأشياء وتفتح أبوابا نحو عوالم لا تدركها العين من النظرة الأولى؟ من هذه الأسئلة تنطلق تجربة الفنان التشكيلي الفاسي أحمد بناني، الذي يحول البسيط إلى مركب، والمألوف إلى مساحة مفتوحة للتأمل والدهشة.

في رحاب المركز الثقافي «نجوم فاس» (Les Étoiles de Fès)، يقدم بناني معرضه «نقط الضوء» (Points de lumière)، في تجربة فنية تتجاوز حدود اللوحة التقليدية، لتجمع بين الرسم والتصوير الفوتوغرافي والنحت وتصميم الأثاث، فضلا عن الفيديو مابينغ والموسيقى والرقص المعاصر. ويقام المعرض بدعم من مؤسسة علي زاوا، ضمن فعاليات مهرجان IncontriFes، ليمنح المدينة موعدا مع فن لا يكتفي بجمال الصورة، بل يدعو إلى مساءلة ما وراءها.

من نقطة عابرة إلى لغة بصرية

منذ سنة 2020، جعل أحمد بناني من النقطة محورا أساسيا في بحثه الفني، مانحا هذا العنصر البسيط قدرة على بناء عوالم متداخلة، تتشكل من التكرار والتراكم وتفاعل الضوء مع المادة. فالنقطة هنا ليست نهاية جملة بصرية، بل بدايتها؛ ومنها تتولد الأشكال، وتتسع المساحات، وتتعدد إمكانات التأويل.

في أعماله، لا يقف المشاهد أمام صورة مغلقة المعنى، بل أمام تجربة تستفز فضوله وتدفعه إلى التساؤل: أين ينتهي المرئي ويبدأ المخفي؟ وهل نرى الأشياء كما هي، أم كما تسمح لنا أعيننا بأن نراها؟

تتأسس هذه التجربة على ثلاثية النقطة والحجاب والضوء، مستلهمة بعض أبعاد التجريد الصوفي، حيث يصبح الحجاب رمزا مزدوجا، يخفي بقدر ما يلمح، ويحجب بقدر ما يفتح الطريق نحو الكشف. وهكذا يتحول العمل الفني إلى مساحة للتفكير في حدود الإدراك، وفي المسافة الدقيقة بين ما يظهر وما يظل عصيا على الرؤية.

حين تتحدث المادة ويعيد الضوء تشكيل الأشياء

لا يحصر بناني اشتغاله في سطح اللوحة، بل يغامر بمواد ووسائط متعددة، من المعدن والرخام والخشب والبلاستيك إلى الإضاءة الاصطناعية بتقنية «ليد». ومن خلال هذا التنوع، يمنح المادة إمكانات جديدة للتعبير، ويجعل الضوء عنصرا مشاركا في تشكيل العمل، لا مجرد وسيلة لإنارته.

وتكتسب هذه المقاربة أبعادا فكرية حين تتقاطع مع أسئلة الإنسان والمجتمع، ومع ثنائيات الحرية والعبودية، والنور والظلام، والظهور والاحتجاب. كما تحضر المرأة في بعض انشغالات الفنان من خلال مفهوم الحجاب الشفاف، بما يحمله من مفارقات بصرية ورمزية تتعلق بالستر والكشف، وبالعلاقة بين الصورة الظاهرة وما تختزنه من دلالات.

إنها تجربة لا تقدم أجوبة جاهزة، بل تضع المتلقي أمام احتمالات متعددة، وتترك له حرية بناء علاقته الخاصة بالأعمال. فالفن، في هذا السياق، ليس ما تراه العين وحدها، بل ما يستيقظ في الذهن بعد النظر.

فنان من فاس برؤية تتجاوز الحدود

ولد أحمد بناني بمدينة فاس سنة 1976، وهو فنان عصامي متعدد التخصصات، تعلم التصوير الفوتوغرافي ذاتيا، قبل أن يطور مسارا فنيا انطلق في أواخر العقد الأول من الألفية، من الرسم التصويري والبورتريه نحو تجربة تجمع بين التصوير والرسم والنحت وتصميم الأثاث الفني.

وعلى امتداد مساره، قدم أعماله في معارض فردية بعدد من المدن المغربية، من بينها فاس ومراكش والرباط وطنجة والصويرة، كما امتدت تجربته إلى فضاءات فنية خارج المغرب، من بينها باريس وبيروت. ويعكس هذا المسار بحثا متواصلا عن لغة تعبيرية تتجاوز التصنيفات الجاهزة، وتمنح المواد والأشكال إمكانات جديدة للحوار مع الإنسان وأسئلته.

ويأتي معرض «نقط الضوء» ليقدم للجمهور الفاسي جانبا من هذا البحث، في لحظة يلتقي فيها الفن بالتأمل، وتصبح فيها التفاصيل الصغيرة مدخلا إلى أسئلة كبرى حول الوجود والإدراك والمعنى.

في عالم أحمد بناني، لا تحتاج النقطة إلى أن تكبر كي تثير الدهشة؛ يكفي أن تتعدد، وأن يلامسها الضوء، حتى تتحول إلى فضاء مفتوح على احتمالات لا تنتهي. ولعل أجمل ما تقترحه هذه التجربة هو أن ما يبدو صغيرا في أعيننا قد يخفي وراءه عالما كاملا، لا نكتشفه إلا حين نتعلم كيف ننظر من جديد.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button