علماء وأطباء وقانونيون يناقشون رهانات التبرع وزراعة الأعضاء البشرية بالمغرب

وجدة-ربيع كنفودي
لا يختلف اثنان في أن عملية التبرع وزراعة الأعضاء تشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه المنظومة الصحية، بالنظر إلى ما يتيحه هذا المجال من فرص لإنقاذ الأرواح وتحسين جودة حياة المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة وخطيرة، غير أن تطوير هذا المجال لا يرتبط فقط بالتقدم الطبي والتقني، بل يستدعي كذلك تعزيز الوعي المجتمعي، وتجاوز الحواجز الثقافية والاجتماعية، وتطوير الإطار القانوني والمؤسساتي المنظم لعمليات التبرع والزراعة، بما يضمن كرامة المتبرعين وحقوق المرضى وسلامة الممارسات الطبية.

وفي هذا السياق، احتضنت قاعة الندوات الفارسي، بكلية الطب والصيدلة وطب الأسنان بوجدة، أمس الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، مؤتمرا علميا حول موضوع «التبرع وزراعة الأعضاء: الرهانات، التحديات والآفاق»، بمناسبة تخليد اليوم العالمي للتبرع وزراعة الأعضاء، بمشاركة نخبة من الفاعلين والجهويين والمحليين، من علماء وأطباء وأساتذة وباحثين. ويأتي تنظيم هذا اللقاء في سياق الحاجة إلى فتح نقاش علمي ومجتمعي مسؤول حول واقع التبرع بالأعضاء وآفاق تطوير زراعتها بالمغرب، من خلال مقاربة متعددة التخصصات تجمع بين الطب والقانون والأخلاق والدين، وتبحث في السبل الكفيلة بتحويل التبرع بالأعضاء إلى ممارسة إنسانية منظمة، قائمة على التضامن والثقة واحترام القواعد القانونية والطبية.
وفي هذا الاتجاه أكد العلامة مصطفى بنحمزة رئيس المجلس العلمي الجهوي، أن الرهان الأساسي لا يقتصر على توفير الإمكانات الطبية لإجراء عمليات الزرع، وإنما يشمل أيضا بناء ثقافة مجتمعية تؤمن بأن التبرع بالأعضاء يمكن أن يمنح أملا جديدا لمرضى ينتظرون فرصة للعلاج، وهو الأمر الذي يتطلب تصحيح المفاهيم المغلوطة، وتبسيط المعلومات المتعلقة بإجراءات التبرع، وتعزيز التواصل الصحي داخل المؤسسات التعليمية والجامعية ووسائل الإعلام، مع إشراك الأسر والفاعلين المدنيين في نشر الوعي بأهمية هذا الخيار الإنساني.
هذا، وتطرح زراعة الأعضاء أسئلة قانونية وأخلاقية دقيقة تتعلق بالموافقة الحرة والمستنيرة، وحماية كرامة المتبرع، وضمان عدالة الاستفادة من عمليات الزرع، ومنع أي شكل من أشكال الاتجار بالأعضاء أو استغلال هشاشة المرضى. لأجل هذا، فإن تطوير هذا القطاع يقتضي الالتزام الصارم بالقوانين المنظمة، وترسيخ الشفافية في مختلف مراحل التبرع والزراعة، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات الصحية.

المؤتمر المنظم شكل مناسبة لتبادل الخبرات وتحديد مكامن القوة والاختلال، واستشراف آفاق تطوير التبرع وزراعة الأعضاء بالمغرب، كما يشكل فرصة للتأكيد على أن نجاح هذا الورش لا يقاس فقط بعدد العمليات الطبية المنجزة، بل أيضا بمدى قدرة المنظومة الصحية على توسيع فرص العلاج، وضمان العدالة والشفافية، وتعزيز ثقة المجتمع في المؤسسات المكلفة بهذا المجال.
وتظل عملية التبرع بالأعضاء تعبيرا عن قيم التضامن والتكافل الإنساني، فيما تظل زراعتها مسؤولية طبية وأخلاقية ومؤسساتية تتطلب تعبئة مستمرة، وبين التقدم العلمي والوعي المجتمعي والضمانات القانونية، تتحدد آفاق بناء منظومة أكثر فعالية وإنصافا، تجعل من إنقاذ حياة الإنسان أولوية تتجاوز حدود التخصصات والمؤسسات.



