مديونية المغرب تتجاوز 1.190 مليار درهم وخدمة الدين تلتهم 45,2 مليار درهم

الحدث الإفريقي – مال واعمال
سجلت مديونية الخزينة المغربية منحى تصاعدياً خلال سنة 2025 والنصف الأول من سنة 2026، بعدما ارتفع حجمها إلى 1.190,4 مليار درهم عند متم يونيو الماضي، مقابل 1.145 مليار درهم نهاية دجنبر 2025، في وقت بلغت فيه فوائد وعمولات الدين 45,2 مليار درهم خلال السنة الماضية، وفق معطيات التقرير السنوي حول الدين العمومي المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027، الصادر عن وزارة الاقتصاد والمالية.
وتكشف هذه الأرقام عن استمرار تنامي الالتزامات المالية للدولة، وما يرافقها من تحديات مرتبطة بتدبير الموارد العمومية، والحفاظ على التوازنات المالية، وضمان تمويل الأوراش الاقتصادية والاجتماعية، في ظل ارتفاع حاجيات الخزينة وتزايد المبالغ المخصصة لخدمة الدين.
الدين الموطد يتجاوز 1.115 مليار درهم
أفاد التقرير بأن الدين الموطد للإدارات العمومية بلغ 1.115,6 مليار درهم عند نهاية سنة 2025، مقابل 1.017,9 مليار درهم سنة 2024، بزيادة سنوية بلغت 97,7 مليار درهم. وارتفعت نسبة هذا الدين إلى الناتج الداخلي الإجمالي من 63 في المائة إلى 64,9 في المائة، بما يعكس اتساع حجم الالتزامات المالية للقطاع العمومي مقارنة بحجم الاقتصاد الوطني.
أما دين الخزينة، فقد بلغ 1.145 مليار درهم عند متم 2025، مقابل 1.081,6 مليار درهم في السنة السابقة، بزيادة قدرها 63,4 مليار درهم. ورغم هذا الارتفاع من حيث القيمة المطلقة، تراجعت نسبته إلى الناتج الداخلي الإجمالي للسنة الثالثة على التوالي، لتستقر عند 66,6 في المائة، مقابل 67 في المائة سنة 2024.
ويبرز هذا التطور أهمية التمييز بين ارتفاع القيمة الاسمية للمديونية وتطور نسبتها إلى الناتج الداخلي الإجمالي، باعتبار أن المؤشرين يعكسان جانبين مختلفين من وضعية المالية العمومية.
45,2 مليار درهم للفوائد والعمولات
ومن أبرز المؤشرات التي سجلها التقرير ارتفاع تكلفة خدمة الدين، إذ بلغت الفوائد والعمولات المرتبطة بدين الخزينة 45,2 مليار درهم خلال سنة 2025، مقابل 39,8 مليار درهم سنة 2024، بزيادة قدرها 5,4 مليارات درهم، أي بنحو 13,6 في المائة.
كما ارتفعت خدمة دين الخزينة، التي تشمل تسديد أصل الدين والفوائد والعمولات، إلى 197,4 مليار درهم خلال السنة الماضية، مقابل 158,5 مليار درهم في السنة السابقة، بزيادة بلغت 38,9 مليار درهم.
وتوزعت هذه المبالغ بين 152,1 مليار درهم لتسديد أصل الدين و45,2 مليار درهم لأداء الفوائد والعمولات، وهو ما يعكس حجم الموارد التي يتعين على الخزينة تعبئتها سنوياً للوفاء بالتزاماتها المالية.
وتكتسي هذه الأرقام أهمية خاصة بالنظر إلى انعكاساتها المحتملة على هوامش الميزانية، إذ إن ارتفاع النفقات المرتبطة بالدين يفرض مواصلة تدبير حاجيات التمويل مع الحفاظ على القدرة على تمويل السياسات العمومية والاستثمارات ذات الأولوية.
الدين الداخلي يستحوذ على نحو ثلاثة أرباع المديونية
على مستوى بنية الدين، واصل الاقتراض الداخلي الاستحواذ على الحصة الأكبر من مديونية الخزينة. فقد بلغ الدين الداخلي 845,2 مليار درهم عند متم 2025، أي ما يعادل 73,8 في المائة من الإجمالي، مقابل 811,8 مليار درهم سنة 2024.
في المقابل، ارتفع الدين الخارجي للخزينة إلى 299,8 مليار درهم، مقابل 269,8 مليار درهم خلال السنة السابقة، لتبلغ حصته 26,2 في المائة من إجمالي المديونية.
وسجلت حاجيات التمويل الصافية للخزينة بدورها ارتفاعاً إلى نحو 74 مليار درهم خلال سنة 2025، مقابل 52,8 مليار درهم سنة 2024، بزيادة بلغت 21,2 مليار درهم. وتمت تغطية هذه الحاجيات من خلال تعبئة الموارد في السوق الداخلية واللجوء إلى التمويلات الخارجية.
وفي هذا السياق، بلغت السحوبات من القروض الخارجية 48,4 مليار درهم خلال السنة الماضية، مقابل 40,4 مليار درهم سنة 2024، توزعت بين 24,3 مليار درهم من الدائنين متعددي الأطراف، و20,9 مليار درهم من السوق المالية الدولية، و3,2 مليارات درهم من الدائنين الثنائيين. وبلغت تسديدات أصل الدين الخارجي 36,9 مليار درهم.
انخفاض فوائد الإصدارات الجديدة لا يوقف ارتفاع التكلفة الإجمالية
ورغم تحسن بعض شروط الاقتراض، لم ينعكس انخفاض أسعار الفائدة على الإصدارات الجديدة بصورة فورية على التكلفة الإجمالية لمخزون الدين.
وأوضح التقرير أن متوسط سعر الفائدة عند إصدار سندات الخزينة تراجع إلى 2,62 في المائة سنة 2025، مقابل 3,65 في المائة سنة 2024، بانخفاض قدره 103 نقاط أساس.
غير أن التكلفة المتوسطة لمخزون دين الخزينة ارتفعت إلى 4,18 في المائة، مقابل 3,96 في المائة خلال السنة السابقة، نتيجة استمرار تأثير شروط الاقتراض السابقة وارتفاع تكلفة بعض التمويلات الخارجية.
ويعكس هذا التباين الفارق بين كلفة الاقتراض الجديد وكلفة مجموع الديون القائمة، التي تتأثر بآجال الاستحقاق وشروط التمويل التي جرى التعاقد بشأنها في فترات سابقة.
وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن حصة الدين ذي سعر الفائدة الثابت بلغت 91,5 في المائة من محفظة الخزينة عند متم 2025، فيما تراجعت حصة الدين قصير الأمد إلى 10,2 في المائة، مقابل 11,7 في المائة سنة 2024. واستقرت المدة المتوسطة المتبقية لسداد الدين عند ثماني سنوات وشهر واحد.
وتساهم هذه الخصائص في الحد من التعرض المباشر لتقلبات أسعار الفائدة ومخاطر إعادة التمويل على المدى القصير، وإن كانت لا تلغي التحديات المرتبطة بحجم المديونية وتكلفتها الإجمالية.
الدين الخارجي العمومي يتجاوز 517 مليار درهم
وبخصوص الدين الخارجي العمومي الإجمالي، الذي يشمل ديون الخزينة الخارجية والتزامات باقي المقترضين العموميين، فقد ارتفع إلى 517,4 مليار درهم عند نهاية 2025، مقابل 468,2 مليار درهم سنة 2024، بزيادة بلغت 49,2 مليار درهم.
وارتفعت نسبته إلى الناتج الداخلي الإجمالي من 29 إلى 30,1 في المائة. وتوزع هذا الدين بين 299,8 مليار درهم تخص الخزينة و217,6 مليار درهم تعود إلى باقي المقترضين العموميين، خصوصاً المؤسسات والمقاولات العمومية.
واستحوذ الدائنون متعددو الأطراف على 57,9 في المائة من إجمالي الدين الخارجي العمومي، متبوعين بالسوق المالية الدولية بنسبة 31,3 في المائة.
وفي ما يتعلق بشروط الولوج إلى الأسواق المالية الدولية، سجل التقرير استعادة المغرب درجته الاستثمارية لدى وكالة التصنيف الائتماني «ستاندرد آند بورز» في شتنبر 2025. كما أشار إلى إصدار دولي أنجزته المملكة في 19 ماي 2026، مكن من تعبئة 2,25 مليار أورو، موزعة بين شريحة بقيمة 1,25 مليار أورو لأجل ثماني سنوات، وأخرى بقيمة مليار أورو لأجل اثنتي عشرة سنة.
ارتفاع جديد خلال النصف الأول من 2026
وفي أحدث المعطيات الواردة في التقرير، ارتفع دين الخزينة إلى 1.190,4 مليار درهم عند متم يونيو 2026، بزيادة قدرها 45,4 مليار درهم مقارنة بنهاية دجنبر 2025.
وتوزعت هذه المديونية بين 862,4 مليار درهم من الدين الداخلي و328 مليار درهم من الدين الخارجي. وتراجعت حصة الدين الداخلي إلى 72,4 في المائة من الإجمالي، مقابل ارتفاع حصة الدين الخارجي إلى 27,6 في المائة.
وتضع هذه المؤشرات تدبير المديونية العمومية في صلب النقاش حول استدامة المالية العامة، ليس فقط من زاوية حجم الاقتراض، بل أيضاً من حيث كلفته، وآجال سداده، وقدرة الاقتصاد الوطني على توليد الموارد اللازمة للوفاء بالالتزامات المالية دون تقليص هوامش الاستثمار العمومي والإنفاق الاجتماعي.
وتظل المعادلة الأساسية أمام المالية العمومية هي التوفيق بين تمويل حاجيات الدولة ومواصلة الاستثمار في التنمية، من جهة، والتحكم في كلفة الدين وتعزيز مردودية الموارد العمومية، من جهة أخرى، بما يضمن استدامة التوازنات المالية على المدى المتوسط والبعيد.



