قانون مالية 2026.. إصلاحات ضريبية واسعة واختبار صعب للقدرة الشرائية

مع مطلع سنة 2026، يستعد المغرب لدخول مرحلة جديدة من الإصلاحات الجبائية والتنظيمية عقب صدور قانون المالية رقم 50.25 بالجريدة الرسمية وهو قانون يحمل في طياته مجموعة من التدابير التي ستؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين كما ستنعكس على مناخ الأعمال وأساليب اشتغال المقاولات.
ويرتقب أن تدخل أغلب مقتضيات هذا القانون حيز التنفيذ ابتداء من فاتح يناير 2026 في سياق اقتصادي واجتماعي دقيق يتميز باستمرار الضغوط على القدرة الشرائية وتزايد رهانات ضبط التوازنات المالية وتوسيع موارد الدولة دون الإخلال بمبدأ العدالة الجبائية.
إصلاحات تمس الأسر… دعم محدود أمام كلفة المعيشة
على مستوى الأسر،نص قانون المالية على رفع الخصم الضريبي عن الأعباء العائلية من 500 إلى 600 درهم عن كل شخص معال ليصل السقف السنوي إلى 3600 درهم للأسر المكونة من ستة أفراد.وتعتبر الحكومة هذا الإجراء خطوة في اتجاه دعم القدرة الشرائية غير أن عددا من المتابعين يرون أن أثره يظل محدودا بالنظر إلى الارتفاع المتواصل في أسعار المواد الأساسية وتكاليف السكن والخدمات.
كما شملت التدابير الاجتماعية توسيع الإعفاء الضريبي ليطال معاشات التقاعد التكميلي الممنوحة من طرف الصندوق المهني المغربي للتقاعد لفائدة متقاعدي القطاع الخاص إلى جانب تمديد الإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة ورسوم الاستيراد على الأبقار والإبل في حدود سقف محدد بهدف الحفاظ على استقرار أسعار اللحوم الحمراء خلال السنة المالية الجديدة.
إجراءات ذات بعد صحي واستهلاكي
وفي الشق المرتبط بالاستهلاك والصحة،أقر القانون إعفاء العجائن الغذائية من الضريبة على القيمة المضافة،شريطة عدم استهلاكها بعين المكان, إضافة إلى إعفاء الدم ومشتقاته كليا من الضريبة نفسها في خطوة ترمي إلى تقليص كلفة بعض الخدمات الصحية وتخفيف العبء عن المواطنين.
تشديد الرقابة في سوق العقار والمعاملات النقدية
في المقابل،حمل قانون المالية تنبيها مهما للمقبلين على اقتناء العقارات حيث تقرر فرض ذعيرة إضافية بنسبة 2 في المائة على واجبات التسجيل في حال أداء ثمن العقار نقدا أو دون وسيلة أداء بنكية قابلة للتتبع،إذا تجاوز المبلغ 300 ألف درهم على أن يدخل هذا الإجراء حيز التنفيذ ابتداء من فاتح يوليوز 2026. ويهدف هذا التدبير إلى محاربة الاقتصاد غير المهيكل وتعزيز الشفافية المالية.
امتيازات ضريبية تثير الجدل
ومن بين المستجدات المثيرة للنقاش، إقرار امتيازات ضريبية غير مسبوقة لفائدة المهن الرياضية من خلال خصومات تصل إلى 90 في المائة من الدخل الصافي للمدربين واللاعبين والأطقم التقنية المحترفة خلال سنة 2026 وهو ما فتح نقاشا واسعا حول مبدأ الإنصاف الجبائي ومدى عدالة هذه التحفيزات مقارنة بباقي الفئات المهنية.
المقاولات بين التحفيز والتشديد
وعلى مستوى المقاولات، عزز القانون آليات الاقتطاع من المنبع،بفرض اقتطاع بنسبة 5 في المائة على كراء العقارات المخصصة للاستعمال المهني مع توسيع نطاق هذا الإجراء ليشمل خدمات تقدمها شركات لفائدة مؤسسات بنكية أو تأمينية أو مقاولات كبرى يفوق رقم معاملاتها 200 مليون درهم.
كما تم رفع الرسوم الجمركية على عدد من المنتجات المستوردة،في إطار حماية الصناعة الوطنية من بينها بعض الأجهزة المنزلية والزعفران إضافة إلى الرفع من الرسوم المفروضة على الألواح الشمسية وهو قرار أثار انتقادات خاصة في ظل التوجه الوطني نحو الطاقات المتجددة وتقليص التبعية الطاقية.
التحول الرقمي ومراقبة أكثر صرامة
وفي إطار تسريع التحول الرقمي أقر القانون إلزامية مسك المحاسبة بصيغة إلكترونية وفرض التوفر على بريد إلكتروني للتواصل مع الإدارة الضريبية،إلى جانب اعتماد وسائل تكنولوجية حديثة في المراقبة الجمركية من بينها الطائرات بدون طيار ومنصات رقمية متطورة بهدف تسريع عمليات التخليص الجمركي ومحاربة التهريب.
وفي تصريح إعلامي،اعتبر الخبير الاقتصادي محمد اعليلوش أن قانون مالية 2026 يعكس توجها مزدوجا يقوم على توسيع القاعدة الضريبية وتشديد آليات المراقبة من جهة وتقديم إعفاءات وتحفيزات محدودة الأثر من جهة أخرى،مؤكدا أن العدالة الجبائية وضبط الأسعار يظلان التحدي الأكبر لإنجاح هذه الإصلاحات.
سنة مفصلية
ويجمع عدد من الباحثين والخبراء على أن سنة 2026 ستشكل إختبارا حقيقيا لمدى قدرة الحكومة على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الإصلاح المالي وانتظارات المواطنين والمقاولات،في ظل سياق اقتصادي واجتماعي يتسم بارتفاع منسوب الترقب وتزايد الضغوط.



