
بقلم: د. سعيد الصديقي
رغم أن مصطلح “الجزيرة” يوحي بالأمان، ويشير إلى محدودية احتمال التعرض للغزو مقارنة بالدول القارية، فإن وصف المغرب بالجزيرة قد يحمل دلالات متعددة، وأحيانا متناقضة. إن الواقع الجيوسياسي للمغرب يجعل هذه التسمية مجرد استعارة جزئية لا تعكس كل الواقع.
إذا كان هذا الوصف بسبب المشاكل الإقليمية العالقة على مختلف واجهات المغرب، فإن العديد من الدول تواجه تحديات مشابهة، وبعضها يواجه تهديدات وجودية من جواره الإقليمي القريب، بما في ذلك قوى كبرى مثل الصين وروسيا والهند.
وإذا كان هذا الوصف يعكس حالة عدم الثقة المتبادلة مع بعض الجيران، فإن ذلك ليس استثناء. فعدد كبير من الدول، بما فيها اليابان والكورتين أو دول الشرق الأوسط، تتعامل مع هذا الواقع بوصفه أمرا واقعا، ينبغي تدبيره بالاعتماد على النفس، وأيضا من خلال التحالفات الاستراتيجية لضمان مصالحها وأمنها.
أما إذا كان هذا الوصف بسبب الغزوات والاحتلالات التي تعرض لها المغرب منذ العصور القديمة فإن تجربة المغرب تشبه تجارب معظم الأمم. فالتاريخ البشري هو تاريخ صراع وتنافس دائمين، والمغرب ليس استثناء؛ فقد عرف على مدار قرون غزوات من الرومان والبرتغاليين والإسبان والفرنسيين كانت مرآة عكست طبيعة القوى الإقليمية والدولية في كل مرحلة، تماما كما عاشت دول العالم تجارب احتلال مماثلة، كانت بعضها أحيانا مروعة ومدمرة.
ومع ذلك، يظل الوضع الجيوسياسي للمغرب أفضل من كثير من دول العالم، إذ يوفر له موقعه الاستراتيجي على الممرات البحرية بين الأطلسي والبحر المتوسط فرصا مهمة للتعاون الإقليمي والدولي، وتعزيز مكانتة في النظامين الدولي والإقليمي. هذا الموقع يمكن المغرب أيضا من الانفتاح على فضاءات قارية حيوية، لاسيما في غرب إفريقيا والساحل والصحراء، وهو دور استراتيجي مارسه المغرب عبر القرون الماضية.
المغرب ليس جزيرة معزولة، أو محاصرة، بل هو ملتقى بحرين، وقارتين، وفضاءات إقليمية فرعية استراتيجية متنوعة (المغارب، شمال إفريقيا، غرب إفريقيا، الساحل والصحراء). المغرب ليس جسر عبور، بل هو ملتقى الفرص والمصالح.
باختصار، المغرب ليس في ”قفص“ جيوسياسي، بالعكس، فهو يتمتع بمرونة استراتيجية فريدة تؤهله لأن يكون نقطة التقاء حيوية بين القارات والبحار، مما يتيح له الانفتاح على فضاءات إقليمية وقارية متعددة وتحقيق مصالحه الوطنية بشكل متوازن وفعال.



