الجزائر..9000 حالة عنف جنسي يعمق أزمة العنف ضد الأطفال

أعاد الكشف عن تسجيل أكثر من 300 حالة اعتداء جنسي على أطفال قُصّر سنويًا في الجزائر، النقاش حول واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجتمع الجزائري، وهي العنف الجنسي ضد الأطفال، الذي ما زال يختبئ خلف جدار الصمت والخوف والعار الاجتماعي.
فقد أوضح رئيس مصلحة الطب الشرعي بالمركز الاستشفائي الجامعي مصطفى باشا في العاصمة الجزائر، الدكتور رشيد بلحاج، أن المصلحة تسجل سنويًا ما بين 320 و334 حالة اعتداء جنسي على أطفال، مؤكدًا أن هذه الأرقام “خطيرة ومقلقة”، خصوصًا أنها تخص مؤسسة استشفائية واحدة فقط، تُعد الأكبر في البلاد.
لكن هذه الأرقام، تؤكد “الاندبندنت” البريطانية، على فداحتها، ليست سوى جزء من الصورة. فبحسب الشبكة الجزائرية للدفاع عن حقوق الطفل، يتجاوز عدد حالات الاعتداء الجنسي على الأطفال تسعة آلاف حالة سنويًا، فيما تشير تقديرات مؤسسة ترقية الصحة إلى نحو 2000 حالة، يشكل الأطفال 90 في المئة من ضحاياها.
أرقام صادمة وصمت أعمق
تشير بيانات مصلحة الطب الشرعي إلى أن 93.5 في المئة من المعتدين رجال، وأن 75 في المئة من الضحايا يعرفون الجناة، بينما ينتمي قرابة 10 في المئة منهم إلى أسر الضحايا أنفسهم. كما تقع أغلب الاعتداءات في أماكن عامة منعزلة، في حين تُرتكب نسبة أخرى داخل منازل المعتدين.
ورغم هذه الحقائق المروعة، فإن الضحايا نادرًا ما يتحدثون. فالإحصاءات تكشف أن واحدًا فقط من كل عشرة أطفال يثق بأمه، وغالبًا ما تختار الأمهات إخفاء ما حدث خوفًا من الفضيحة أو من تبعات اجتماعية قاسية، خصوصًا في الحالات التي ينتج عنها حمل.
السكوت الذي يقتل
تقول الأخصائية النفسية نور الهدى قراد إن الأطفال الأكثر عرضة للاعتداء الجنسي تتراوح أعمارهم بين ثماني واثنتي عشرة سنة، مؤكدة أن الصدمة النفسية الناتجة عن هذه الجرائم “ترافق الضحايا مدى الحياة إن لم يتلقوا الدعم والعلاج المناسبين”.
وتضيف أن التهاون في التبليغ عن هذه الجرائم يمثل أحد أخطر أسباب تفاقمها، مشددة على ضرورة نشر ثقافة التبليغ باعتبارها واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا. وتوضح أن الطفل لا يتحدث عادة بشكل مباشر عما تعرض له، لذلك يعتمد الأخصائيون على الرسومات والقصص والصور لمساعدته على التعبير واستعادة الثقة.
كما أشارت قراد إلى أن التقنيات الحديثة ساعدت في تجاوز مشكلة مصداقية شهادة الأطفال، إذ يسمح قانون حماية الطفل بتسجيل جلسات الاستماع بالصوت والصورة بحضور طبيب نفسي، لتفادي تكرار التجربة المؤلمة على الضحية.
ظاهرة مسكوت عنها
ورغم الجهود القانونية التي تبذلها السلطات الجزائرية لحماية المرأة والطفل، فإن العنف الجنسي ضد الأطفال ما زال من المحرمات الاجتماعية التي يُتجنب الحديث عنها، بسبب ارتباطها بمفاهيم “الشرف” و”العار”، ما يجعل كثيرًا من العائلات تفضل الصمت على المواجهة، فيغيب التبليغ وتضيع العدالة.
وتكشف الأرقام أن هذه الظاهرة ليست محلية فقط، إذ تشير تقديرات دولية إلى أن 120 مليون فتاة دون سن العشرين حول العالم تعرضن لأشكال من الاتصال الجنسي القسري، وأن الأطفال الذين عاشوا تجارب عنف في طفولتهم أكثر عرضة لاحقًا للانتحار أو ممارسة العنف.
تحديات مستمرة رغم القوانين
ورغم سنّ الجزائر قوانين لحماية الطفل وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا، إلا أن الخوف من الانتقام والوصم الاجتماعي ما زال يمنع كثيرين من التبليغ، فيما تبقى الخدمات الموجهة للضحايا محدودة ولا ترقى إلى مستوى مواجهة الظاهرة.ذ
إنها مأساة صامتة يعيشها آلاف الأطفال في الجزائر، ضحايا مجتمعٍ يخاف من الكلام أكثر مما يخاف من الجريمة نفسها. وبين الأرقام الصادمة والسكوت الموجع، يبقى السؤال مفتوحًا: متى يتحول الصمت إلى مواجهة، والخوف إلى حماية حقيقية؟



