فيضانات..درس مغربي في تدبير الأزمات
لم تكن الفيضانات التي اجتاحت مدن القصر الكبير وسيدي قاسم مجرد حدث طبيعي عابر، بل كانت درسا مغربيا بليغا، وامتحانًا حقيقيًا لقدرة الدولة على حماية مواطنيها من السيول الجارفة، ومرآة عكست بوضوح حجم الفجوة بين التعليمات الملكية الحاضرة بقوة وحكومة غائبة صائمة حتى عن الكلام، إلا عن دموع منهمرة في مؤتمر الجديدة الذي ودع رئيس حزب الحمامة أمس السبت، و الذي ما زال رئيسا لهذه الحكومة الصامتة في عز محنة الفيضانات التي تعتبر امتحانا فشلت في تدبيره والتواصل بشأنه مع المغاربة على الأقل، مادام أب هذه الأمة حريص على سلامة وكرامة شعبه”عند الامتحان يعز المرء أو يهان”.
في ساعات قليلة، تحولت شوارع القصر الكبير إلى أنهار، وغرقت أحياء بأكملها في سيدي قاسم تحت مياه جارفة حملت معها منازل، سيارات، ومحلات تجارية. لم يكن المشهد مجرد صور تُتداول على مواقع التواصل، بل وجع جماعي عاشته آلاف الأسر التي وجدت نفسها بين ليلة وضحاها بلا مأوى ولا مورد رزق. إلا ما سخرته الدولة من إمكانيات كبيرة لتوفير حاجيات المتضررين من تغذية وايواء وتطبيب من خلال انشائها لمخيمات استعجالية رحلت إليها ساكنة القصر الكبير في زمن غير مسبوق، وفي ظروف طمأنت المغاربة أجمعين والمتضررين من الفيضانات في المقام الأول.
إن ما حدث في القصر الكبير وسيدي قاسم ليس مجرد كارثة طبيعية، بل جرس إنذار سياسي وأخلاقي. فحين يغيب صوت الحكومة، يعلو صوت المعاناة. وحين تتأخر المبادرة، تتسع الفجوة بين المواطن والمسؤول.
الأثر النفسي… جرح لا يُرى
وراء كل بيت غمرته المياه، قصة إنسانية موجعة. أطفال فقدوا دفاترهم ومدارسهم، نساء يتهن في مراكز الإيواء، وشيوخ ينظرون بحسرة إلى ما تبقى من بيوتهم. إن الصدمة النفسية التي خلفتها هذه الفيضانات، و الإحساس بالعجز أمام هذه الكارثة الطبيعية المفاجئة، لا تقل قسوة عن الخسائر المادية.
ومما خفف من قوة هذه الصدمة، تنفيذ التعليمات الملكية السامية التي كانت بمثابة بارقة أمل وسط العاصفة. تحركت خلالها القوات المسلحة الملكية، والدرك، والوقاية المدنية بسرعة لافتة، فأنقذت الأرواح، وأقامت الملاجئ، ووزعت المؤن. الدولة العميقة كانت هناك، لكن الحكومة السياسية لم تكن. لا تصريحات، لا زيارات ميدانية، لا خطة تواصل واضحة. وكأن الكارثة تخص شعبًا آخر.
درسً مغربي في تدبير الأزمات
في زمن تتسارع فيه الكوارث الطبيعية والأزمات الإنسانية، يبرز المغرب كحالة استثنائية في فن إدارة الأزمات، ليس فقط من حيث سرعة التدخل، بل من حيث المنهجية المتكاملة التي تجمع بين الحزم، التنظيم، والتضامن الشعبي. لقد أثبتت التجارب الأخيرة، من زلزال الحوز إلى فيضانات القصر الكبير والغرب، أن المغرب لا يواجه الأزمات بردود فعل عشوائية، بل برؤية دولة تعرف كيف تُعبّئ مؤسساتها وتستثمر في ثقة شعبها.
منذ اللحظة الأولى لأي أزمة، يظهر التنسيق المحكم بين مختلف أجهزة الدولة، القوات المسلحة الملكية، الوقاية المدنية، السلطات المحلية، والمجتمع المدني. هذا التناغم لا يأتي صدفة، بل هو ثمرة ثقافة مؤسساتية رسّخها الملك محمد السادس، الذي جعل من الإنسان محور كل سياسة عمومية، ومن حماية الأرواح أولوية تتقدم على كل اعتبار.
لقد رأينا كيف تحركت الدولة بسرعة لاحتواء آثار فيضانات الشمال والغرب، وكيف تم إجلاء السكان، وتوفير المأوى، وإعادة فتح الطرق في وقت قياسي. لم يكن الأمر مجرد استجابة تقنية، بل تجسيدًا لروح المسؤولية الوطنية التي تجعل من التضامن قيمة عملية لا شعارًا.
وفي كل مرة، يثبت المغرب أن القيادة الرشيدة هي الفارق الحقيقي في إدارة الأزمات. فبينما تتعثر دول كثيرة في اتخاذ القرار أو في تنسيق الجهود، يتحرك المغرب وفق خطة دقيقة، تُبنى على الاستباق لا الارتجال، وعلى الميدان لا المكاتب.
لكن ما يميز التجربة المغربية أكثر هو التحام الشعب بالدولة. فحين تقع الكارثة، لا ينتظر المواطن التعليمات، بل يتحول إلى فاعل ميداني، يمدّ يد العون، ويشارك في الإنقاذ، ويجمع التبرعات. إنها ثقافة التضامن المتجذرة في الوجدان المغربي، التي تجعل من كل أزمة مناسبة لإعادة اكتشاف قوة الوحدة الوطنية.
إن الدرس المغربي في تدبير الأزمات لا يُقاس فقط بالنتائج، بل بالفلسفة التي تحكمه: فلسفة تقوم على أن الدولة ليست سلطة فوق المواطن، بل شريك له في مواجهة الخطر. وهذا ما يجعل المغرب اليوم نموذجًا يُحتذى به في المنطقة، بل وفي العالم، في كيفية تحويل المحن إلى فرص، والأزمات إلى لحظات تجديد للثقة بين الدولة وشعبها.
لقد أعطى المغرب درسًا بليغًا مفاده، أن الجاهزية لا تُبنى في لحظة الأزمة، بل تُصنع قبلها، وأن القيادة الحكيمة والتضامن الشعبي هما السلاحان الحقيقيان في مواجهة كل طارئ.
الاقتصاد المحلي… نزيف صامت
الفيضانات لم تترك أثرها على النفوس فقط، بل ضربت الاقتصاد المحلي في الصميم. القصر الكبير وسيدي قاسم مدينتان تعيشان على الفلاحة والتجارة الصغيرة، وهما اليوم تواجهان خسائر فادحة في المحاصيل، والمواشي، والمخزون التجاري. مئات الأسر فقدت مصدر رزقها، والأسواق الشعبية التي كانت تعج بالحياة تحولت إلى أطلال موحلة.
إن غياب رؤية حكومية واضحة لإعادة الإعمار والتعويض، سيجعل هذه المناطق تعيش أزمة اقتصادية طويلة الأمد، تتجاوز بكثير زمن الفيضانات نفسها. فالكارثة لا تنتهي حين تنحسر المياه، بل حين تُستعاد الكرامة، ويُعاد بناء الثقة بين المواطن والدولة.
مؤسسات قوية تدبر الأزمة
لقد أثبتت هذه الفيضانات أن المغرب يمتلك مؤسسات قوية حين تتحرك بتوجيه ملكي مباشر، لكنه في المقابل يعاني من هشاشة سياسية حين يُترك الأمر للحكومة. فالأزمات لا تُدار بالبيانات، بل بالفعل الميداني، وبالقدرة على التواصل مع الناس في لحظات الخوف والضياع.
لقد أنقذت التعليمات الملكية الموقف، لكن السؤال الذي يبقى مطروحًا. إلى متى سيظل المواطن المغربي ينتظر تدخل الملك في كل أزمة، بينما الحكومة تكتفي بالمشاهدة؟



