القصر الكبير..النظام انتصر على المطر
في زمن الأزمات، يظهر معدن الانسان وقوة صبره على الشدائد ومنسوب ذكائه في تدبير المحن، كذلك كانت أجهزة الدولة المغربية، وكانت ساكنة القصر الكبير المجبولين على الانتصار على المحن والأزمات والمعارك، ولنا عبرة في معركة الملوك الثلاث بوادي المخازن، عبرة تنبض بأمجاد تاريخ ساكنة الشمال، والقصر الكبير تحديدا في تلاحمهم مع السلطان السعدي الذي دحر الغزو البرتغالي وقتل الملك سيباستيان في أوج عظمته وسطوته التي امتدت إلى أفريقيا وأمريكا اللاتينية.
هكذا هي مدينة القصر الكبير، لا تُقاس فيها القوة الا بالانتصار على المحن بالتضامن والصبر والتعاون، كيف لا، وهي المدينة العريقة التي طالما كانت شاهدة على لحظات الفرح والحزن في تاريخ المغرب، قدّمت هذه الأيام درساً في الكرامة والتضامن ونبض الإنسانية، وهي تودع دُورها وممتلكاتها في نظام وانتظام نحو مخيمات أقامتها الدولة لإيواء المتضررين، بعيدا عن الفيضانات، كما وهي تستقبل أبناءها العائدين من المخيمات بعد انحسار الأمطار.
مشهد العودة كان مؤثراً إلى حدّ البكا، عائلات أنهكها التعب، وأطفال يحملون في عيونهم دهشة النجاة، ونساء ورجال يعودون إلى مدينتهم التي فتحت لهم ذراعيها كما تفعل الأم حين تحتضن أبناءها بعد غياب طويل. لكن ما جعل هذه العودة أكثر دفئاً هو الاستقبال المهيب الذي أعدّته أجهزة الدولة والسلطات المحلية، استقبال لم يكن رسمياً بارداً، بل إنسانياً صادقاً، تُقدَّم فيه تمر الضيافة، وترفع فيه أكف الضراعة بالدعاء لجلالة الملك بالشفاء وأصوات المواطنين تلهج بشكر جلالته على رعايته السامية لهم في محنتهم الطبيعية هذه، في مشهد يختصر صورة إنسانية عفوية حبلة بكل معاني الانتماء والرحمة والفرحة والتشبث بثواب الأمة المغربية.
في القصر الكبير، لم يكن الاستقبال بالتمر مجرد رمز للكرم المغربي، بل إعلاناً عن انتصار الروح الوطنية على قسوة الطبيعة. فحين تتكاتف مؤسسات الدولة، من سلطات محلية وأمنية وعسكرية وصحية، لتأمين عودة آمنة وكريمة للمتضررين، ندرك أن المغرب لا يترك أبناءه في العراء، وأن الإنسان هو جوهر كل سياسة عمومية ناجحة.
ولأن الجمال لا يكتمل إلا بالنظام، فقد بدت مدينة القصر الكبير في أبهى حُلّتها. شوارع نظيفة، أحياء منظمة، ومرافق عمومية جاهزة لاستقبال العائدين. لم تكن المدينة فقط تستعيد أبناءها، بل كانت تستعيد صورتها كمدينة للحب وللحياة، لا للخوف.
لقد تحوّل هذا الحدث من مأساة طبيعية إلى ملحمة تضامن وكرامة. فالمغاربة، كما أثبتوا مراراً، لا يعرفون الاستسلام أمام الكوارث، بل يحولونها إلى فرص لإظهار معدنهم الأصيل. وما جرى في القصر الكبير ليس مجرد استقبال إداري، بل رسالة وطنية عميقة مفادها؛ أن الدولة والمجتمع، حين يتحدان، يصنعان المستقبل من تحت الركام.



