أخبارالرئيسيةفي الصميم

حين تعطس مضايق العالم.. يصاب جيب المغاربة بالزكام!

بقلم/ محمد اطويل

يبدو أننا في المغرب نملك قدرة عجيبة على طي المسافات الجغرافية. فبمجرد أن يرتفع منسوب التوتر في الشرق الأوسط، أو يلوح أحدهم بإغلاق مضيق “هرمز”، حتى تصلنا ارتدادات الزلزال في كسر من الثانية، وتستيقظ لوحات محطات الوقود صبيحة 16 مارس 2026 على زيادة “قياسية” بدرهمين للغازوال وقرابة درهم ونصف للبنزين. سرعة استجابة تجعلنا نتساءل: هل أنابيب النفط العالمية متصلة مباشرة بجيوبنا دون المرور بالجمارك؟

نظرية “الصاروخ والسلحفاة

في التسعيرالمثير في سوق المحروقات عندنا هو تبنيها لنظرية فيزيائية فريدة من نوعها. حين ترتفع الأسعار دوليا، تصعد أسعارنا المحلية بسرعة “الصاروخ”، استجابةً لنداء السوق الحرة والشفافية العالمية. لكن، وما أدراك ما لكن، حين تنخفض الأسعار في الأسواق الدولية، تتحول محطاتنا فجأة إلى “سلحفاة” مصابة بالروماتيزم، وتتأخر الأسعار في النزول بحجة “تسويق المخزون القديم الغالي”. وهي حجة تجعلنا نتساءل: أين يختفي هذا “المخزون القديم” الرخيص عندما ترتفع الأسعار؟ أم أن سوقنا محررة فقط في اتجاه واحد: إلى الأعلى دائما؟

مخزون “نهاية الأسبوع” الاستراتيجي

بالحديث عن المخزون، يلزم القانون شركات التوزيع بتوفير مخزون استراتيجي يغطي 60 يوما من الاستهلاك الوطني. لكن يبدو أن بعض الفاعلين قرروا وضع القانون في “وضع الطيران”، فاكتفوا بمخزون لا يتجاوز 15 إلى 20 يوماً.

عملياً، نحن لا نملك مخزونا استراتيجيا، بل نملك “مخزون نهاية الأسبوع وتمديد العطلة قليلاً”. ففي حال وقع أي طارئ دولي طويل الأمد، قد نضطر لاستعمال سياراتنا كديكور للحدائق. ومع ذلك، لا رقيب يتدخل، ولا حسيب يفعل العقوبات، وكأن السيادة الطاقية مجرد ترفيع في درجات التفاؤل لا غير.

قفة رمضان.. والخضروات التي تركب “الدرجة الأولى

“هذا “الصاروخ” الطاقي لم يكتفِ بإفراغ جيوب أصحاب السيارات، بل قرر أن يدعو نفسه إلى موائد المغاربة، وتحديداً في شهر رمضان. فقد اكتشفنا أن اللحوم الحمراء (التي تجاوزت 110 دراهم) والخضروات، يبدو أنها تُنقل في كبائن “الدرجة الأولى” بسبب غلاء المازوط.

وفي الوقت الذي تطمئننا فيه الأرقام الرسمية بأن التضخم “تحت السيطرة”، تكتشف الأسر المغربية أن نفقاتها ارتفعت بنسبة 20 في المائة. فجوة عجيبة بين “تضخم المكاتب المكيفة” و”تضخم قفة السوق”، تجعل المواطن يشك في قدراته في الرياضيات.

مثلث “برمودا” للدعم الاستثنائي

ولأن الحكومة “حاسّة بالمزلوط”، سارعت إلى إطلاق نسخة جديدة من الدعم الاستثنائي لمهنيي النقل. الفكرة نبيلة: نعطي الدعم للمهنيين كي لا يرفعوا الأسعار على المواطن. النتيجة الواقعية؟ صُرفت حوالي 8 مليارات درهم في التجارب السابقة، وظلت أسعار النقل مرتفعة، والمواد الغذائية تواصل التحليق. هذا الدعم يشبه إلى حد بعيد “مثلث برمودا”؛ تخرج الأموال من خزينة الدولة، وتختفي في جيوب الوسطاء، بينما يقف المواطن في المحطة النهائية ليدفع الفاتورة مضاعفة.

مصائب المواطن عند “الخزينة” فوائد!

وسط هذه التراجيديا، هناك مستفيد صامت يبتسم في الزاوية: المنظومة الجبائية. فالضريبة على القيمة المضافة (TVA) تُحسب كنسبة مئوية من السعر. بعبارة أبسط: كلما ارتفع سعر البرميل في العالم، وكلما احترق جيب المواطن في المحطة، زادت مداخيل الدولة الضريبية. هي مفارقة قاسية تجعل المواطن يمول الأزمة، بينما تجني المالية العمومية أرباح الغلاء.

في الختام، الأزمة لم تعد مجرد “سحابة صيف” قادمة من مضيق هرمز،وإنما هي خلل بنيوي يحتاج إلى قرار سياسي شجاع، وليس إلى مسكنات ظرفية. فحماية القدرة الشرائية للمغاربة ليست شعارا يرفع في الحملات، لكن صمام أمان لاستقرار البلد. وتأجيل الإصلاح اليوم، هو كشراء البنزين بالتقسيط: قد يبدو أرخص في اللحظة، لكنه يوقف محرك التنمية في منتصف الطريق.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button