احتفالا بالماء في اليوم العالمي للشعر : شَغَبُ المَاءْ

محمد بلمو
الماءُ الذِي لا تَتحرَّكُ الآلاتُ ومناجمُ الغُبارِ
إلَّا في حَضْرتِه
لَا عُمْرانَ إنْ كانَ غائِبًا
لَا إنْسانْ
في شَرايِينِها تُخَبِّئُه الإبِلُ بِعِنايَةٍ
كيْ لا تَذْروهُ الرِّمالُ سرابًا
الماءُ الذي فيِ كُلِّ فَجٍّ
صَنعُوا لَه إِلَهًا
بُوسيدونْ
انكي
نبْتونْ
فارُونا
يَمْ
وَنونْ
لَمْ يَلبسْ يومًا مِثلَهُم قِناعًا
بلْ عاريًا كانَ دوْمًا
وكانوا هُمْ يَكْذِبونْ
الماءُ حينَ يمنحُ أجْسادَنا مُرونَتَها
لا يتْعبُ مِن نشْرِ جُنودِهِ الأشاوسِ
في كلِّ خليةٍ
مَجْرَى دَمْ
كيْ لا ننْسَى شُربَهُ عِدَّةَ مَرّاتٍ فِي اليومْ
الماءُ
إذَا الرِّيحُ بِالهُبوبِ في وجْهِه لَوَّحَتْ
كيْفَ لهُ أَنْ ينْزِلَ مَطرًا دُونَ أَنْ يَتِيهْ
دُونَ أَنْ تُشرِّدَهُ عَواصِفٌ
في فَيافِي الزَّمْهَريرْ
الماءُ الذّي جَرفَ مُدنًا بِأسْواقِهَا
بَحْرًا رَماديًا سَوَّى الحُقولَ
مِنْ شلَّالاتٍ قديمةٍ طَردَ العنْكبوتَ
سَئِمتْ طَويلا خُروجَها مُبكِّرًا مِنَ الخِدْمةِ
هَجرَها السّياحُ،
لَكِنَّ النَّهرَ الذِي كانَ
عادَ الآنَ
إلى مْجراهُ بِلا اسْتئذانْ
الماءُ الذي هزَّ جَبلاً مِنْ جُذورِه
خِلْسةً إلى تَجاويفهِ تَسرَّبَ
مِثْلَ مُتزلِّجٍ خائفٍ
زَحْلقَهُ
إلىَ الأسفلْ
لكنَّهُمِ أَهْدَروهُ
عَلى بُطونِهِم أهْرَقوهُ
مِنْ شِدَّةِ العَبثْ
فَسلَّط المدَّ عَليْهِمْ
وكانَ البَحرُ وَبالاً عَظيمَا
الماءُ الذي خَيْطٌ رَفيعٌ مِنْهُ يَثْقُبُ صَخْرةً،
نَرْمي فِيهِ أَشْلاءَنا كُلَّما أَحْسسْنا أَنَّ السَّفِينَةَ تَغْرَقُ
وليْسَ بَيْننَا نُوحْ
الماءُ الذي مِثْلَ حَكِيمٍ
يَنْحتُ في الأرضِ السَّواقي،
رَشيقًا يَتَسرَّبُ
بَيْن الحَصَى والرَّمْلِ
كيْ يَسْتَعِيدَ صَفاءَهُ كُلَّما عَكَّرتْهُ أوْساخُنَا
الماءُ الذي يَبْدو طَيِّعًا بِلا هوادَةٍ
معَ كلِّ السِّياقاتِ يَتَأَقْلَمُ
يَأْخذُ شَكْلَ كلِّ إِناءٍ يَغْزوهُ،
يُفاجِئُ ثُقْبًا صغيرًا
كيْ يَجْري طَليقًا في البَرارِي،
اسْألُوا النَّمْلةَ عنْ قَطْرةٍ
كيَفَ بِبَيْتِها تَعصِفُ مِثْلَ طُوفانٍ
السَّمَكةُ حينَ تَخْرجُ مِنْهُ تَموتْ
والنَّارُ وَحْدَها حينَ تَشرَبُه تَضْعُفُ وتنْهارْ
الماءُ الذي أيْقظَ ذاكرةَ الوادِ قَبْل أنْ تَموتْ
مِنْ هُنا كانَ نهْرًا في الغابِرِ
يَتدفَّقُ رقْراقًا
نَسِيَ حِكايتَهُ الأجدادُ في عُنفوانِ الشَّبابِ
قِصصَ الغرامِ المحْتشِمِ على ضِفَّتيْهِ
شَقْشَقاتِ الطُّيورِ في سمائِه الخَفيضَةِ
أسْرابَ السَّمكِ الذي انْقرضَ
تَنُطُّ مَرِحَةً على وَجههِ
النَّهرُ الذي كانَ
مُثْقلاً بِالرَّبيعِ وَالبَهاءِ
مِثْلَ فراشاتٍ غامراتٍ
بِلُطفٍ يسْقي البَساتينَ على ضِفَّتيْهِ
قَبلَ أنْ يَصِيرَ مُربَّعاتِ إسْمَنتٍ بِنوافذَ خَجُولةٍ
وأبوابٍ لا تَتوقَّفُ عنِ البكاءْ
النَّهرُ الذي كانَ
عادَ الآنَ
إلى مجراهُ بِلا اسْتئذانْ
لمْ يأْبَهْ بِاللُّصُوصِ هَربُوا مِنْ مَخابِئِهمْ
هَلعًا مِنْ غَضْبَتِهِ
لأنَّه لا يَنْتَقي طَرائِدَهُ
لم تُسْعِفْهُم صلواتُهُم طارِئةً
لأن النَّهْر لَا تخْدَعُهُ الشَّطَحاتُ
لا تُغْريهِ النَّزواتْ
وحينَ تُسَدُّ في وَجْهِه الأَبْوابُ
يَصْعدُ كأيِّ مُتمرِّدٍ
إلى السَّماءِ بُخارًا
مِثْلَ فراشاتٍ مِجهريةٍ أَزْعَجهَا الصَّهْدُ
تَبْني بُيوتَها مِنْ سَحابْ
تَعودُ مَطرًا إلى الأرضِ
وثَلْجاً حِينَ تُفْرِطُ الحَرارَةُ
في سُقوطِها تَحْتَ الصِّفرْ
الماءُ لا ينْسى أبدًا طريقَهُ
-هذا ما تَناسْيتُم أنْ تَقُولُوا لِأبْنائِكُم-
الماءُ لا يَتنكَّرُ لمساراتِهِ الأبدِيَةِ
لا يَكْترِثُ لِلصُّخورِ المُتعَجْرِفَةِ
والحَواجِزُ الرَّخْوةُ يَسْحَلُها بِسهولةٍ،
لِيَنابيعٍ قَديمةٍ امَّحَتْ تَفاصيلُ وَجْهِها
أَعادَ الحياةَ
لكنَّهُم لمْ يَجِدُوا كِتابًا
يُذكِّرُهمْ بِجَبروتِ النَّهْرِ الذي كانَ
وعادَ الآنَ
إلىَ مجراهُ بِلا اسْتئذانْ
الماءُ الذِي بِكُلِّ نَهَمٍ
يَأكُلُ طريقًا في المُنْعَرجِ
يَبْتلِعُ مُدُنًا كَما لوْ يَحْتَسي فِنْجانَ قَهْوةٍ
يَفِيضُ عَلى وجْهِ بئْرٍ نَامَ طَويلاً في الهَجيرِ
بإِمْكانِهِ أَنْ يُجَرْجِرَ بَرامِجَ انْتِخابٍ إلىَ فَضِيحَتِها
وَصفَقاتٍ إلى حَضْرةِ القاضي
الماءُ الذي للمرَّةِ الألْفِ علَّمَنا
أنهُ لا ينْسى طريقَه أبَدَ الأرضِ
وأنَّ الأطفالَ الذين فوْقَ آثارِ أقْدامِه المُهْملةِ
نَبَتُوا
بينَ جُدْرانِ إسْمنْتٍ طارئٍ
لمْ يُخبِرْهُم آباؤهُمْ
بِحِكاياتِ النَّهرِ الذِّي كانَ
هُنا تحْتَ أقْدامِهِم،
لِمَا سَكَنُوا الجِبالَ المَنيعَةَ قَديمًا
تَرَكُوا السُّهولَ لِحُقولِ القمْحِ
بَساتِينِ العِنَبْ،
لمْ يُخبِرْهُم آباؤهُمْ
أنَّ الَّنهرَ الذِي كانْ
حِين يَجْري
يَرْقُصُ معَ الصَّيادِينَ
يَلْتَمِعُ مُتَغزِّلاً بالقمَرِ حينَ يكتملْ
النَّهرُ الذي كانَ
عادَ الآنَ
إلى مَجْراهُ بِلا اسْتئذانْ
الماءُ بِسَخاءٍ
يُشْعِل البَهْجةَ في المَزَارعِ
يَحْضُرُ أَعْراسَ الفَلّاحينَ ضَيْفَ شَرفٍ
وَفي مَآتِمِهمْ يَكونُ أوَّلَ منْ يَبْكي ولا يَمْسحُ دُموعَه
أوَّلَ منْ يُودِّعُ الجَواثِيمَ
يَغسِلُها بِحزْنٍ باذِخٍ
بِخُشوعٍ يَمْنحُها
آخِرَ حَمَّامْ
الماءُ الذي يُغنِّي مع الغروبِ أنشودةَ الوُجودِ الحُرِّ
الماءُ الذي مُبْتَسِما يستقبلُ إشْراقةَ الصُّبْحِ الذي قدْ يأتي
الماءُ الذي قطرةً مِنْهُ
تَتمسَّحُ الألسنةُ بِظلِّها
مِثلَ مَعْدِنٍ نادِرٍ
في عَطْشَةِ الرَّمْضاءْ
الماءُ شَهمٌ
كَريمٌ
لَذيذٌ
وانْسِيابي
-قال أَبي-
لِذلكَ حِينَ نَسْتخِفُّ بذاكِرتِه
بِغباءٍ نُحاوِلُ مَحْوَ مَساراتِه،
مِثلَ رَعْدٍ يُفاجِئنا
مثلَ إلَهٍ يَغْضبْ
يُحرِّضُ سُيولَهُ المُرْعِبَةَ
ولا يَتْعبْ
يَضْرِبُ لِعَواصِفِه مَواعيدَ دَقيقةً
كيْ يَتذَوَّقَ الذي تَجَبَّر في جَهْلِهِ
طُعْمَ الشَّغَبْ
الماءُ زِئْبَقِيٌ
يَسيلُ
يَغْلي
يَتبخَّرُ
يَتَجمَّدُ
يَتَقلَّبْ
لكنَّهُ أبَداً
أبَداً
أبَداً
لا يَلْعبْ
فبراير 2026



