مهدي التازي على رأس باطرونا المغرب..نحو رسم بوصلة المقاولات عشية الاستحقاقات الاقتصادية الكبرى

يشكل انتخاب مهدي التازي رئيساً جديداً للاتحاد العام لمقاولات المغرب محطة مفصلية في مسار أكبر منظمة تمثل أرباب العمل بالمملكة، إذ يتجاوز هذا الحدث بعده التنظيمي الداخلي ليطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل العلاقة بين الحكومة والقطاع الخاص، ودور الباطرونا في قيادة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المغرب، خاصة مع اقتراب موعد كأس العالم 2030 الذي يمثل تحدياً تنموياً شاملاً.
يأتي هذا التغيير في سياق وطني ودولي دقيق، يتسم بتسارع أوراش الإصلاح الاجتماعي، وتزايد التحديات المرتبطة بالتنافسية وجذب الاستثمارات، إلى جانب التحضير لاستحقاقات اقتصادية كبرى ستجعل من المقاولة المغربية فاعلاً محورياً في تنفيذ النموذج التنموي الجديد.
و منذ تأسيسه، لعب الاتحاد العام لمقاولات المغرب دور الوسيط بين الدولة والقطاع الخاص، غير أن التحولات الاقتصادية الأخيرة فرضت إعادة تعريف هذا الدور. فالمغرب يتجه نحو نموذج اقتصادي جديد قائم على الاستثمار المنتج، ودعم الصناعة الوطنية، وتعزيز السيادة الاقتصادية، وتوسيع الحماية الاجتماعية.
في هذا الإطار، يُنتظر من القيادة الجديدة أن تعيد صياغة موقع الاتحاد داخل منظومة القرار الاقتصادي، ليس فقط كهيئة تمثيلية للمقاولات، بل كشريك استراتيجي في تنفيذ السياسات العمومية ذات البعد الاقتصادي والاجتماعي. وتبرز أهمية هذا التحول مع تزايد اعتماد الدولة على القطاع الخاص في إنجاز المشاريع الكبرى المرتبطة بالبنيات التحتية، والطاقة، والتحول الرقمي، والصناعة الخضراء.
و يتزامن انتخاب مهدي التازي مع مرحلة حساسة من الحوار الاجتماعي، حيث تتصدر ملفات كبرى جدول الأعمال الوطني، من بينها إصلاح منظومة التقاعد، وتعميم الحماية الاجتماعية، ومراجعة مدونة الشغل، وتحسين القدرة الشرائية، وتأهيل سوق العمل.
ويُنتظر من القيادة الجديدة للباطرونا أن توازن بين حماية تنافسية المقاولة وضمان الالتزامات الاجتماعية للدولة، في وقت أصبح فيه نجاح الإصلاحات الاجتماعية رهيناً بمدى انخراط القطاع الخاص في تنفيذها. فالمطلوب اليوم ليس فقط الدفاع عن مصالح المقاولات، بل المساهمة في بناء نموذج اجتماعي واقتصادي متوازن ومستدام.
المقاولة المغربية أمام امتحان مونديال 2030
يشكل تنظيم كأس العالم 2030 لحظة فارقة في التاريخ الاقتصادي للمغرب، باعتباره مشروعاً وطنياً ضخماً يتجاوز البعد الرياضي إلى بعد تنموي شامل. وهنا يبرز دور الاتحاد العام لمقاولات المغرب في تعبئة القطاع الخاص للمشاركة في المشاريع المرتبطة بالبنيات التحتية، والنقل، والسياحة، والاقتصاد الرقمي.
كما يُنتظر من الباطرونا أن تعمل على تأهيل النسيج المقاولاتي، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة للاندماج في سلاسل الإنتاج، وتعزيز الشراكات الدولية، وتطوير الكفاءات البشرية، وتشجيع الابتكار الصناعي والخدماتي. فالمونديال يمثل فرصة لإبراز قدرات المقاولة المغربية على المنافسة والابتكار في محيط اقتصادي عالمي متغير.
جيل جديد من القيادة الاقتصادية
ينتمي مهدي التازي إلى جيل جديد من القيادات الاقتصادية المغربية التي تجمع بين الخبرة المالية الدولية والتجربة الميدانية في عالم المقاولة، إلى جانب حضور نقابي ومهني وازن. هذه التركيبة تمنحه قدرة على قراءة التحولات الاقتصادية بعمق، وفهم ديناميات السوق والاستثمار في سياق دولي متقلب.
تجربته في قطاع التأمين والوساطة المالية أكسبته فهماً دقيقاً لإدارة المخاطر وتدبير الاستثمارات، وهي مؤهلات تجعل منه نموذجاً لقيادة اقتصادية قادرة على التوفيق بين الواقعية الاقتصادية والرؤية الاستراتيجية، في مرحلة تتطلب كفاءات تجمع بين الحس المقاولاتي والقدرة على التفاوض والتأثير في القرار العمومي.
نحو شراكة جديدة بين الدولة والمقاولة
تشير المؤشرات إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولاً في طبيعة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، من علاقة تمثيلية تقليدية إلى علاقة شراكة تنفيذية في المشاريع الاستراتيجية الكبرى.
وفي هذا السياق، يُنتظر من الاتحاد العام لمقاولات المغرب بقيادة مهدي التازي أن يعمل على تحسين مناخ الأعمال، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتوسيع حضور المقاولة المغربية في إفريقيا، ودعم التحولين الرقمي والطاقي، مع تعزيز الحوار المؤسساتي مع الحكومة.
إن نجاح هذه المرحلة سيحدد إلى حد بعيد موقع المقاولة المغربية داخل النموذج التنموي الجديد، ويعيد رسم توازن العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص على أسس من الثقة، والمسؤولية المشتركة، والالتزام بالتنمية المستدامة.
بهذه القيادة الجديدة، يبدو الاتحاد العام لمقاولات المغرب مقبلاً على مرحلة تجديد عميق في الرؤية والدور، حيث تتحول الباطرونا من فاعل مطلبي إلى شريك استراتيجي في بناء اقتصاد وطني تنافسي وإنساني في آن واحد.



