دنيا تامري في مؤتمر”مينا”: من مسؤولية المحتوى إلى مسؤولية الأثر في الإعلام الرقمي

شكّلت مداخلة الباحثة المغربية الدكتورة دنيا تامري، خلال مؤتمر “مينا” الدولي الأول، المنظم في اسطنبول بتركيا يومي 28 و29 غشت، إضافة بحثية لافتة في مقاربة موضوع المسؤولية المجتمعية للإعلام الرقمي في عصر الذكاء الاصطناعي، من خلال زاوية تتجاوز القراءة التقنية والاتصالية التقليدية، لتضع الإنسان ووعيه وإدراكه وسلوكه في قلب النقاش.
وانطلقت المداخلة من أسئلة جوهرية تتعلق بمسار المعلومة: كيف تنتج؟ كيف تصاغ وتؤطّر؟ كيف توزع؟ وكيف يستقبلها الإنسان ويدركها وينفعل بها؟ ثم كيف يمكن أن تنعكس على حكمه وقراره وسلوكه؟
ومنحت الدكتورة تامري هذا النقاش بعدا بينيا، من خلال الربط بين الإعلام الرقمي وعلم النفس السيبراني وعلم النفس المعرفي والعصبي والسلوكي، إلى جانب الأبعاد الاجتماعية والقيمية، بما يسمح بقراءة المعلومة باعتبارها أكثر من مجرد محتوى ينتقل من مرسل إلى متلق.
فالمعلومة، في البيئة الرقمية، يمكن أن تصبح عاملا مؤثرا في الانتباه والإدراك والانفعال والثقة وصناعة القرار، وقد يتجاوز أثرها الفرد ليصل إلى السلوك الاجتماعي وتشكيل أنماط من الوعي الجماعي.
وتزداد أهمية هذه المقاربة في سياقات الأزمات، حيث لا ترتبط المسؤولية الإعلامية بصحة المعلومة فحسب، وإنما كذلك بطريقة تقديمها، وسياقها، وتوقيتها، وحجم تداولها وتكرارها.
من “هل المعلومة صحيحة؟” إلى “هل مسار المعلومة سليم؟” ومن أبرز ما ميز الطرح انتقاله من السؤال الإعلامي التقليدي : “هل المعلومة صحيحة؟” إلى سؤال أكثر شمولا : “هل مسار المعلومة سليم؟”
أي هل مصدرها موثوق؟ وهل محتواها دقيق؟ وهل حُفظ سياقها؟ وهل جرى تأطيرها بأمانة؟ وكيف تم توزيعها؟ وما الأثر الذي يمكن أن تتركه في المتلقي نفسيا واجتماعيا وسلوكيا؟
وبذلك، تتسع المسؤولية الإعلامية من مسؤولية المحتوى إلى مسؤولية المحتوى والمسار والأثر.
وفي هذا السياق، لم تكتفِ الورقة بتشخيص مخاطر التضليل أو التضخيم أو التوهين، بل أكدت على جملة من المبادئ المهنية، في مقدمتها التثبت قبل النشر، والحفاظ على السياق، والأمانة في تقديم المعلومة، وعدم تقديم السبق والإثارة على سلامة المتلقي وقدرته على الفهم والحكم السليم.
ولا تبدو هذه المقاربة منفصلة عن المشروع الفكري والبحثي الذي تشتغل عليه الدكتورة دنيا تامري، والهادف إلى التفكير في بناء إنسان قادر على مواكبة التحول الرقمي بوعي ومسؤولية، والاستفادة من التكنولوجيا دون أن يفقد استقلاله في التفكير والنقد والاختيار.
ويتجلى هذا التوجه في كتابها الصادر حديثا :
“الذكاء الاصطناعي والإنسان في عصر التحول الرقمي – رؤى وتطبيقات”
حيث تتناول حضور الذكاء الاصطناعي في خمسة مجالات وثيقة الصلة بتكوين الإنسان ووعيه : الأسرة، والتعليم، والبحث العلمي، والإعلام والتواصل الرقمي، ثم استشراف مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.
وفي الشق المتعلق بالإعلام، يتوقف الكتاب عند عدد من التحولات التي فرضتها البيئة الرقمية والذكاء الاصطناعي، من بينها صناعة المعلومة وتلقيها، والأخبار والتضليل، والتزييف العميق، وخوارزميات التوصية، والتحقق من المعلومات، إلى جانب إمكانات الذكاء الاصطناعي في التواصل والإنتاج السمعي البصري، مع التأكيد على أهمية الضوابط الأخلاقية والمسؤولية البشرية.
ومن هنا يمكن قراءة مداخلتها في مؤتمر “مينا” باعتبارها امتدادا أكثر تخصصا لهذا المشروع، إذ تنتقل من دراسة تحولات الإعلام داخل البيئة الرقمية والذكية إلى مساءلة أعمق حول ما تفعله هذه التحولات بالإنسان نفسه : بوعيه، وإدراكه، وانفعالاته، وقدرته على اتخاذ القرار وسلوكه داخل المجتمع.
حيث كانت الدكتورة دنيا تامري قد شاركت في معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي بثلاثة من إصداراتها، فيما يأتي كتاب “الذكاء الاصطناعي والإنسان في عصر التحول الرقمي – رؤى وتطبيقات” ضمن أحدث إصداراتها، مواصلا مشروعا فكريا يضع الإنسان في مركز التحولات التكنولوجية المتسارعة.
وفي المحصلة، تكشف هذه المقاربة عن وحدة واضحة في المشروع البحثي للدكتورة دنيا تامري :
التكنولوجيا تتقدم، لكن الإنسان يظل الغاية والمعيار.
والإعلام يتطور، لكن الأمانة والوعي وحماية القدرة على الحكم السليم تظل جوهر المسؤولية.
ففي عصر تتسارع فيه صناعة المعلومة وانتشارها بفعل الذكاء الاصطناعي والخوارزميات، لم يعد السؤال فقط : ماذا نقول؟
بل أصبح السؤال الأهم : ماذا تفعل المعلومة بالإنسان؟
وهنا تحديدا تبرز أهمية المسؤولية المجتمعية للإعلام الرقمي : ليس فقط في حماية الحقيقة، وإنما أيضا في حماية الإنسان وقدرته على الفهم، والتفكير النقدي، والاختيار، واتخاذ القرار.



