Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

أحزاب الأغلبية بقبعة المعارضة..خمس سنوات من الحكم لا تمحوها وعود الانتخابات

يبدو أن انتخابات 23 شتنبر 2026 لم تقترب فقط من موعدها، بل دخلت محطة جديدة يسودها ارتباك سياسي داخل وبين أحزاب الأغلبية. فبعد خمس سنوات من تدبير الشأن العام وغياب طويل وانقطاع سبل التواصل والحوار، “طال غيابك يا حكومتي”، خرجت نفس مكونات التحالف الحكومي لتتحدث بلغة تشبه لغة المعارضة، حيث أصبح الغلاء مسألة جوهرية في برامجها والقدرة الشرائية تحتاج إلى الإنقاذ، والأجور يجب أن ترتفع، والضرائب ينبغي أن تخفف، والتشغيل يجب أن يتحسن، والقطاعات الاجتماعية تحتاج إلى دفعة جديدة، وكأنها، أحزاب الاغلبية، لأول مرة ستتعامل معها متجاهلة تماما أنها هي التي كانت تشرف عنها ومسؤولة عن النتائج والحصيلة إيجابية كانت أو سلبية فاشلة.

إن المشكلة اليوم ليست في نوعية المطالب التي تم رفعها، لأن لمواطن المغربي بأمس الحاجة إليها. المشكلة تكمن أساسا في من يرفعها اليوم ويدعو الى تنزيلها وتفعيلها، فهذه الأحزاب لم تكن ضمن أحزاب المعارضة حتى تخرج لتنتقد وتحتج، بل كانت تجلس في قلب السلطة، وتمتلك الأغلبية البرلمانية، وهي من كانت تصنع القرار الحكومي وتشرع له القوانين ليتم تمريره بسلاسة حسب رغباتها هي ومتطلباتها. وهو الامر الذث يدفعنا الى السؤال، كيف يمكن لمن كان جزء من الحكومة أن يقدم نفسه اليوم واحدا ممن يستطيع حل كل هذه المشاكل التي كان مسؤولا عن تدبيرها طوال خمس سنوات؟ ولهذا فإن عودة هذه الأحزاب اليوم إلى تقديم وعود جديدة في التشغيل والأجور والقدرة الشرائية تفرض عليها أولا تقديم كشف حساب عن الوعود السابقة، التي رفعتها في انتخابات 2021، وتقديم الحصيلة الكاملة لمختلف القطاعات التي كان يدبرها التحالف الحكومي، فالحصيلة ليست مرتبطة فقط بقطاع الصحة او التعليم، او الغلاء، وإنما مرتبط أيضا بالشباب والثقافة والاتصال، بالسكنى والتعمير، بالطاقة، وأيضا المالية، التي كان يديرها الوزير المنتدب الوافد الجديد على حزب البام، ويقدم على الأقل لائحة الفراقشية الذين وصفهم بالإرهابيين الذي حرموا المواطن المغربي من فرحة العيد. والأكيد أن مصطلح الفراقشية لم يعد محصورا فقط على مستوردي الأغنام، بل اتسعت رقعته على مستوى قطاعات أخرى أكثر حساسية، دعم السيارات، دعم السينما واللائحة طويلة.

إن الانتخابات المقبلة لا تسمح للأحزاب الحكومية بأن تتعامل مع الماضي وكأنه لا يعنيها، فالناخب المغربي لا يصوت على خمس سنوات قادمة فقط، وإنما يقيم خمس سنوات مضت، ولذلك فإن رفع سقف الوعود الاجتماعية قبيل الاقتراع لا يعفي من تقديم كشف حساب سياسي واضح، ماذا تحقق؟ ماذا لم يتحقق؟ لماذا لم يتحقق؟ ومن يتحمل المسؤولية؟

فعلى سبيل المثال لا الحصر، ملف القدرة الشرائية، الذي تحول اليوم إلى محور أساسي في الخطاب الانتخابي لأحزاب الأغلبية الحكومية، لم يظهر فجأة مع اقتراب الانتخابات. فقد كان الغلاء أحد أكثر الملفات إثارة للجدل خلال الولاية الحكومية، هو نفسه الملف التي وجهت في شأنه المعارضة انتقادات حادة للحكومة بسبب ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية وتراجع القدرة الشرائية، لكن ولأن الحكومة كانت تقف موقف المتفرج فقد فضلت السكوت والصمت والمزايدات عن اقتراحات وانتقادات المعارضة، وتركت الحال كما هو عليه، بل زادت في تأزيم الوضع والعمل على مواصلة مسيرة الغلاء عوض التفكير في الحل. وهنا نعود لنتساءل بصوت عال مع هذه الأحزاب، إذا كان الغلاء مشكلة حقيقية تستوجب حلولا عاجلة، فلماذا لم تكن محاربته في قلب السياسات الحكومية بالفعالية نفسها طوال الولاية؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في السياسة هو أن تنقسم الشخصية السياسية للحزب إلى شخصيتين، شخصية حكومية تتحمل المسؤولية عندما تكون في السلطة، وشخصية معارضة تنتقد الواقع عندما تقترب الانتخابات. فالسياسة الديمقراطية تقوم على مبدأ بسيط، هو من يحكم يتحمل مسؤولية الحكم، ومن يعارض يمارس وظيفة الرقابة والنقد. أما أن تجمع الأحزاب بين موقع الحكم وخطاب المعارضة في الوقت نفسه، فإن ذلك يربك الناخب ويجعل الحدود بين المسؤولية والمساءلة ضبابية.

فالناخب المغربي لا يحتاج إلى أحزاب ترتدي قبعة المعارضة في اللحظة التي تستعد فيها للانتخابات، وإنما يحتاج إلى أحزاب تتحمل مسؤوليتها السياسية كاملة، وإذا كانت الحكومة قد أنجزت الكثير كما تقول، فعليها أن تدافع عن إنجازاتها، وإذا كانت قد أخفقت في بعض الملفات، فعليها أن تعترف بذلك، أما الجمع بين خطاب الإنجاز وخطاب المعارضة في الوقت نفسه، فهو محاولة للهروب من السؤال الأصعب، من المسؤول عن الإخفاقات وعن الأزمة؟

لقد حان وقت الانتقال من سياسة الوعود إلى سياسة الحساب، وحين تفتح صناديق الاقتراع، لن يصوت المواطن فقط على ما تقوله الأحزاب عن المستقبل، بل سيستحضر أيضا ما عاشه خلال خمس سنوات من الحاضر. وهنا قد يكون أصعب امتحان أمام أحزاب الأغلبية، هي أن تقنع المواطن بأنها تستحق ولاية جديدة، دون أن تتنصل من مسؤوليتها عن الولاية التي انتهت.
فالقبعة التي يرتديها الحزب في الانتخابات يمكن أن تتغير، لكن ذاكرة المواطن لا تتغير بسهولة، والذاكرة تقول أن أحزاب الأغلبية اليوم ساهمت جميعها في قتل المواطن اقتصاديا واجتماعيا.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button