المغرب و”ECOWAS”..القطب الاقتصادي الإفريقي الجديد

لم تعد إفريقيا اليوم مجرد قارة تبحث عن التنمية، بل أصبحت فضاءً تتنافس فيه المشاريع الكبرى، وتتقاطع فوق أرضه المصالح الدولية والإقليمية. وفي خضم هذا التحول المتسارع، اختار المغرب أن يصنع موقعه داخل القارة لا باعتباره دولة تبحث عن أسواق جديدة فحسب، وإنما باعتباره شريكًا في صياغة نموذج إفريقي جديد للتنمية، قوامه التكامل الاقتصادي والتضامن جنوب-جنوب.
ومن هذا المنطلق، فإن احتضان قمة رؤساء دول وحكومات البلدان الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (سيدياو)، يوم الأحد الماضي في فريتاون بسيراليون، مراسم التوقيع على الاتفاق الحكومي الدولي الذي يؤطر تطوير أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي نيجيريا-المغرب، البنية التحتية الطاقية الممتدة على طول يناهز 6800 كيلومتر، والموجهة لنقل الغاز الطبيعي من نيجيريا إلى المغرب، قبل ربطه بشبكة الغاز الأوروبية، يعتبر انضماما أكيدا للمجموعة إلى المغرب ، وهو الذي طالبهم قبل سنوات خلت بالانضمام إلى هذه المجموعة الاقتصادية التي ابتدع بعض أعضاءها شروطا لاتناسب الرؤية الاستراتيجية للمملكة في القارة السمراء.
ويجسد هذا التوقيع انضمام الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (سيدياو) إلى مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي نيجيريا-المغرب، الذي أطلقه الملك محمد السادس، وفخامة الرئيس النيجيري الراحل محمدو بخاري، والذي يواصل فخامة الرئيس بولا أحمد تينوبو دعمه المتجدد له. ويُطوَّر هذا المشروع من طرف المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن بالمملكة المغربية (ONHYM)، والشركة الوطنية النيجيرية للبترول المحدودة .(NNPC Ltd)
وبذلك، يكتسب انضمام المملكة إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ( ECOWAS) أهمية تتجاوز بكثير البعد المؤسساتي، لأنه يمثل خيارًا استراتيجيًا قد يعيد رسم الخريطة الاقتصادية لغرب القارة، ويمنح المغرب فضاءً جديدًا لترسيخ مكانته كقوة اقتصادية إفريقية صاعدة.
لقد أثبتت التجربة المغربية خلال العقدين الأخيرين أن الانفتاح على إفريقيا لم يكن مجرد شعار دبلوماسي، بل سياسة دولة متكاملة. فمن الدار البيضاء إلى أبيدجان، ومن دكار إلى باماكو، نسج المغرب شبكة واسعة من الشراكات في مجالات التمويل والبنوك والاتصالات والفلاحة والطاقة والتكوين المهني والأسمدة والصناعة، حتى أصبح أحد أبرز المستثمرين الأفارقة داخل غرب القارة.
لكن الاستثمار، مهما كان حجمه، يحتاج إلى فضاء اقتصادي مندمج يمنحه الاستدامة ويضاعف أثره. وهنا تبرز قيمة “سيدياو”، التي تضم أكثر من 400 مليون نسمة، وتشكل واحدة من أكبر الأسواق الإقليمية في إفريقيا، بما تختزنه من طاقات بشرية وموارد طبيعية وإمكانات استهلاكية واستثمارية هائلة.
بالنسبة للمغرب، فإن الاندماج في هذا الفضاء يعني أكثر من مجرد إزالة بعض الرسوم الجمركية؛ إنه انتقال نحو اقتصاد إقليمي واسع، تصبح فيه المقاولة المغربية أكثر قدرة على المنافسة، وأكثر حضورا في سلاسل الإنتاج والتوزيع، وأكثر جاذبية للمستثمرين الدوليين الباحثين عن منصة صناعية مستقرة ومنفتحة في آن واحد على إفريقيا وأوروبا والعالم العربي.
ولا يمكن الحديث عن الأثر الاقتصادي لهذا الاندماج دون استحضار المشاريع البنيوية الكبرى التي أطلقها المغرب خلال السنوات الأخيرة. فميناء طنجة المتوسط أصبح أحد أكبر الموانئ في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، بينما يُرتقب أن يشكل ميناء الداخلة الأطلسي ركيزة جديدة لربط غرب إفريقيا بالأسواق الدولية. وإلى جانب ذلك، يبرز مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي باعتباره أكثر من مشروع للطاقة؛ إنه مشروع جيو-اقتصادي يعيد رسم ممرات التنمية بين المغرب وخمس عشرة دولة إفريقية، ويجسد عمليًا مفهوم التكامل القاري.
ومن الطبيعي أن ينعكس هذا المسار على الاقتصاد المغربي. فكل توسع في الأسواق يعني زيادة في الصادرات، واستقطابًا لاستثمارات جديدة، وخلقًا لفرص الشغل، ورفعًا لقدرة المقاولات الوطنية على الابتكار والإنتاج، وهو ما يشكل أحد أهم محركات النمو الاقتصادي المستدام.
غير أن المكسب الأكبر قد لا يكون اقتصاديًا فقط، بل سياسيًا وحضاريًا أيضًا.
فالمغرب، بقيادة الملك محمد السادس، ظل يؤكد في مختلف المحافل الإفريقية أن التعاون بين بلدان الجنوب ليس خيارًا ظرفيًا، بل ضرورة استراتيجية لبناء استقلال اقتصادي حقيقي للقارة. ومن هنا، فإن الانضمام إلى “سيدياو” يمنح مضمونًا عمليًا لهذا التوجه، ويحول الشراكة جنوب-جنوب من مفهوم سياسي إلى منظومة اقتصادية قائمة على الاستثمار المشترك، ونقل الخبرات، وتقاسم القيمة المضافة، بدل الارتهان للمساعدات الخارجية أو العلاقات غير المتوازنة.
إن إفريقيا اليوم لم تعد تقبل بأن تكون مجرد مصدر للمواد الأولية، بل تسعى إلى أن تصبح فضاءً للإنتاج والتصنيع والابتكار. والمغرب يمتلك من الخبرة الصناعية والمالية واللوجستية ما يؤهله للإسهام في هذا التحول، ليس باعتباره قائدًا، وإنما شريكًا يؤمن بأن ازدهار القارة لا يتحقق إلا بازدهار جميع مكوناتها.
صحيح أن الطريق نحو هذا الاندماج لن يكون خاليًا من التحديات. فالمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا تواجه بدورها رهانات مرتبطة بالأمن والاستقرار والتفاوتات الاقتصادية، كما أن توحيد التشريعات وتسهيل تنقل الأشخاص والبضائع يحتاج إلى إرادة سياسية قوية من جميع الأطراف. غير أن التجارب الاقتصادية الكبرى أثبتت أن التكامل يولد الحلول أكثر مما تخلقه العزلة.
إن العالم يتجه نحو التكتلات الاقتصادية الكبرى، ولم يعد للدول المتفرقة القدرة نفسها على مواجهة المنافسة العالمية أو حماية مصالحها الاقتصادية. ومن هذا المنظور، يبدو الرهان المغربي على “سيدياو” جزءًا من رؤية أوسع تجعل من إفريقيا فضاءً للتنمية المشتركة، لا ساحةً للصراعات أو التبعية.
ولعل السؤال الحقيقي اليوم لم يعد: ماذا سيجني المغرب من الانضمام إلى “سيدياو”؟ بل أصبح: كيف يمكن لهذا الاندماج أن يمنح غرب إفريقيا قوة اقتصادية جديدة، ويحول الشراكة جنوب-جنوب إلى أحد أهم محركات النهضة الإفريقية خلال العقود المقبلة؟
فإذا نجح هذا المشروع، فإن المستفيد لن يكون المغرب وحده، ولا دول “سيدياو” وحدها، بل القارة الإفريقية بأسرها، التي تبحث منذ عقود عن نموذج تنموي ينبع من داخلها، ويؤمن بأن مستقبل إفريقيا يجب أن يصنعه الأفارقة أنفسهم.



