Hot eventsأخبارالناس و الحياة

لماذا يسرح العقل في الصلاة رغم أننا نقف بين يدي الله؟.. السر الذي يجهله كثيرون



كم مرة انتهيت من صلاتك،ثم سألت نفسك: ماذا قرأت؟ وهل هذه الركعة الثالثة أم الرابعة؟ وكم مرة دخلت الصلاة بقلب مشتاق إلى الخشوع فإذا بأفكار الدنيا تتزاحم في رأسك دون استئذان؟

هذا السؤال يؤرق ملايين المسلمين حتى إن بعضهم يظن أن شروده أثناء الصلاة دليل على ضعف إيمانه أو نقص في علاقته بربه. لكن الحقيقة أن الأمر أعمق من ذلك وأن فهم طبيعة العقل البشري يساعدنا على فهم ما يحدث داخلنا ونحن نقف بين يدي الله.

فالإنسان خلق بعقل لا يتوقف عن التفكير، إذ تشير الدراسات الحديثة في علم الأعصاب إلى أن الدماغ يواصل معالجة الذكريات والخطط والمخاوف حتى في لحظات الهدوء. وعندما يكون الإنسان غارقا طوال يومه في ضغوط العمل، الدراسة، رسائل الهاتف ، مواقع التواصل الاجتماعي والأخبار المتلاحقة،يصبح الانتقال المفاجئ إلى حالة من السكينة والتركيز الكامل أمرا يحتاج إلى وقت وتدريب.

غير أن الإسلام سبق إلى بيان هذه الحقيقة بطريقته الإيمانية، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان يأتي إلى المصلي ليذكره بما نسيه ويشغله بأمور دنياه حتى يفسد عليه خشوعه.هذا يعني أن الشرود في الصلاة ليس ظاهرة جديدة،بل هو ابتلاء يواجهه المؤمن في كل زمان. لذلك كانت مجاهدة النفس جزءا من العبادة.

يقول الله تعالى:

قد أفلاح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون
سورة المؤمنون: الآيتان 1 و2.

ولو كان الخشوع أمرا سهلا يتحقق تلقائيا،لما جعله الله من صفات المؤمنين الذين استحقوا الفلاح. فالخشوع منزلة تكتسب بالصبر وتثمر مع المداومة.

لماذا يسرح العقل أكثر في الصلاة؟

لأن الصلاة هي اللحظة التي يتوقف فيها الجسد عن الحركة، بينما يجد العقل فرصة لإخراج كل ما اختزنه طوال اليوم. ولذلك فإن كثرة الانشغال بالدنيا، الإفراط في استخدام الهواتف الذكية،التعرض المستمر للمحتوى السريع، كلها عوامل تجعل الذهن أقل قدرة على التركيز لفترات طويلة.

كما أن أداء الصلاة على عجل أو الدخول فيها مباشرة بعد نقاش حاد أو انشغال كبير، يجعل القلب يحتاج إلى وقت حتى يهدأ ويستحضر عظمة الوقوف بين يدي الله.

كيف نستعيد الخشوع؟

الخشوع لا يبدأ مع تكبيرة الإحرام، بل يبدأ قبلها بدقائق.

فالوضوء بهدوء،التبكير إلى الصلاة وترك الهاتف جانبا ،استحضار أن هذه الدقائق لقاء مع الله سبحانه وتعالى كلها أمور تهيئ القلب للدخول في عبادة عظيمة.

ومن أعظم أسباب الخشوع أيضا فهم معاني الآيات والأذكار التي يرددها المصلي. فعندما يدرك معنى الفاتحة ويتأمل التسبيح في الركوع والسجود تتحول الصلاة من حركات تؤدى إلى حوار روحي يعيش فيه العبد مع ربه.

ومن الوسائل النافعة كذلك تغيير السور التي يقرأها المصلي، التأني في التلاوة وعدم الاستعجال في الركوع والسجود لأن الطمأنينة باب من أبواب الخشوع.

لا تيأس إذا سرحت


من الأخطاء الشائعة أن يظن الإنسان أن شروده يعني فساد صلاته فيستسلم للإحباط. والصحيح أن كل مرة ينتبه فيها المصلي إلى شروده ويعيد قلبه إلى الله، فإنه يمارس مجاهدة عظيمة يؤجر عليها.

فالخشوع ليس أن يخلو العقل من كل فكرة،فهذا أمر قد لا يتحقق لأحد وإنما أن يكون القلب كلما ابتعد عاد إلى ربه وكلما شرد رجع إلى ذكره دون يأس أو ملل.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لبلال رضي الله عنه: *أرحنا بها يا بلال* لأن الصلاة كانت بالنسبة إليه راحة للروح لا عبئا عليها.

إن الصلاة ليست امتحانا للكمال وإنما مدرسة يومية لتربية القلب. وكل محاولة صادقة لحضور القلب بين يدي الله هي خطوة نحو الخشوع الحقيقي. فإذا سرح عقلك يوما ،فلا تيأس ولا تظن أن الله ردك . بل أعد قلبك إليه مرة بعد أخرى واعلم أن أعظم الانتصارات ليست ألا تسرح وإنما أن تعود إلى الله كلما سرحت.

فالخشوع رحلة وليس لحظة ومن صدق مع الله،أعانه الله على الوصول إليه.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button