من المسؤولية إلى المزايدة.. أحزاب تستعرض قوتها وتنسى البوصلة الملكية

في الوقت الذي تدخل فيه البلاد مرحلة انتخابية دقيقة، تستدعي الحكمة والثبات، اختارت بعض الأحزاب السياسية رفع منسوب الخطاب السياسي إلى أقصى درجات التصعيد، وكأن المعركة الانتخابية تحولت إلى استعراض للقوة وتبادل للاتهامات، أكثر مما هي مناسبة لتقديم بدائل واقعية وبرامج قابلة للتنفيذ.
وفي خضم هذا المشهد الذي قد يبدو للبعض أنه مشهد مسرحي، يبرز السؤال، هل تنسجم هذه الممارسة السياسية مع روح التوجهات الملكية التي دعت، في أكثر من مناسبة، إلى الارتقاء بالعمل السياسي وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإلى جعل الانتخابات محطة لتجديد الثقة في المؤسسات والأحزاب؟
مما لا شك فيه، أن التوجيهات الملكية بشأن انتخابات 2026 لم تضع الأحزاب أمام رهان الفوز الانتخابي فقط، بل أمام مسؤولية إنتاج نخب قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية التي يعرفها المغرب. ولتحقيق هذه الأهداف انطلقت المشاورات المتعلقة بالإعداد للانتخابات بتوجيه ملكي واضح يروم توفير منظومة انتخابية معروفة ومستقرة والاستعداد الجيد للاستحقاق التشريعي، إلا أن المتتبع للمشهد السياسي اليوم، يلاحظ فجوة متزايدة بين هذا الأهداف المسطرة وبين العديد من الممارسات الحزبية التي يغلب عليها منطق “من يصرخ أكثر”، ومن يهاجم خصمه بشكل أشد، ومن يقدم نفسه باعتباره المنقذ الوحيد للمغاربة، ومن يملأ القاعة أكثر ومن ومن. والأكثر استغرابا لهذا كله، أن أحزابا كانت إلى وقت قريب جزءا من تدبير الشأن العام، أصبحت تتحدث اليوم بلغة المعارضة، وتنتقد أوضاعا اجتماعية واقتصادية كانت تملك، بشكل مباشر أو غير مباشر، مسؤولية سياسية عن تدبيرها.
الأكيد أن المغرب يعيش مرحلة مهمة ومتميزة في مساره التنموي، وهو الأمر الذي أكده الملك محمد السادس في خطاب العرش بمناسبة الذكرى 27 لعيد العرش المجيد حيث أكد جلالته، “إننا نعيش اليوم، مرحلة فاصلة في المسار التنموي ببلادنا، حيث يجب أن تسود روح الثقة والتفاؤل، على خطابات اليأس والإحباط.” انتهى كلام جلالته. وهو الامر الذي يؤكد على أن هذه المرحلة تحتاج لأحزاب قادرة على المواكبة والبناء، أحزاب تبعث الثقة والتفاؤل والأمل للمواطن من خلال الخطاب السياسي الذي تسوقه. إلا أن المتتبع والمهتم يرى أن أحزاب اليوم ومنها التي كانت تسير وتدبر الشأن العام نجدها خارج السياق والأهداف العامة، لا يهمها المواطن، بقدر ما يهمها الصدارة في الانتخابات حتى يسهل عليها تقسيم المناصب والوزارات لأجل مصالحها وليس مصلحة المواطن.
نحن اليوم أمام مرحلة مفصلية تؤسسها الانتخابات التشريعية 23 شتنبر 2026، مرحلة لن تتحقق إلا بوجود منتخبين صادقين همهم خدمة الوطن والمواطنين، وهو الأمر الذي سبق للملك محمد السادس أن أكده في خطاب الذكرى 62 من ثورة الملك والشعب حيث قال جلالته، “وإذا كان لكل مرحلة رجالها ونساؤها، فإن الثورة التي نحن مقبلون عليها لن تكون إلا بمنتخبين صادقين، همهم الأول هو خدمة بلدهم، والمواطنين الذين صوتوا عليهم.”
إن انتخابات اليوم، ليست ساحة لتصفية الحسابات الحزبية، ولا مناسبة لإعادة توزيع الأدوار بين من كان في الحكومة ومن يريد أن يبدو خارجها، إنها لحظة فاصلة لاختبار المصداقية السياسية للأحزاب والمنتخبين، ومن يريد أن يطلب ثقة المواطن عليه أولا أن يجيب بوضوح عن سؤال المسؤولية، ماذا فعل عندما كان في موقع القرار؟ وماذا يستطيع أن يفعل إذا منح فرصة جديدة؟
فالتغريد خارج سياق التوجهات الملكية لا يعني فقط مخالفة خطاب سياسي بعينه، وإنما يعني الابتعاد عن فلسفة سياسية كاملة تقوم على المسؤولية، والنتائج، وربط الممارسة الديمقراطية بخدمة المواطن، فمرحلة اليوم تحتاج إلى أحزاب تعي أن قوة الحزب لا تقاس بعدد المنخرطين أو بحجم الحشود في اللقاءات التواصلية، وإنما بقدرته على إنتاج الأفكار، وصناعة البدائل، وتحمل المسؤولية.
قد تنجح الأحزاب في استعراض عضلاتها خلال الحملة الانتخابية، وقد تنجح في رفع سقف الوعود والهجوم على الخصوم، لكنها ستظل مطالبة بعد 23 شتنبر بالإجابة عن السؤال الأصعب، ماذا ستفعل فعلا عندما تنتهي الأضواء، وتبدأ مرحلة الحساب؟ هناك فقط سيتبين الفرق بين حزب يبحث عن أصوات الناخبين، وحزب يبحث عن ثقة المغاربة.



