
ألمانيا-منير لكماني
للسياسة مواسم تعرفها الوجوه قبل أن تعرفها البرامج. ما إن تقترب الانتخابات حتى تنتعش الذاكرة فجأة، وتستيقظ المودات القديمة، وتكثر الزيارات، وتصبح القرى البعيدة أقرب من المكاتب المكيفة. ثم لا يلبث المشهد أن يتحول إلى مائدة كبيرة، لكل واحد حولها كرسي محسوب، ولكل كرسي شهية، ولكل شهية خطاب مناسب عن الوطن والمصلحة العامة.
في هذه اللحظات، يبدو أن بعض الأحزاب لا تدخل الاستحقاقات لتقترح مستقبلا، بل لتعرف حجم الطبق الذي سيخصص لها. تتراجع الأسئلة الثقيلة عن التعليم والصحة والشغل والعدالة الاجتماعية، وتتقدم أسئلة أكثر استعجالا: من سيجلس أين؟ ومن سيكون أقرب إلى رأس المائدة؟ ومن سيكتفي بالمقبلات، ومن سيظفر بالطبق الرئيسي؟
وحين تصير السياسة بهذه الخفة، يصبح قاموسها أكثر طرافة من برامجها. فالتنازل يسمى «حكمة»، والتراجع «مرونة»، وتبديل المواقع «قراءة دقيقة للتحولات»، أما الانتظار قرب باب التحالفات فيسمى، بكل وقار، «تموقعا استراتيجيا». وحتى الصمت، إن طال بما يكفي، قد يتحول بقدرة قادر إلى «رؤية بعيدة المدى».
ولا بأس أن تختلف الأحزاب أو تتحالف؛ فتلك من قواعد اللعبة الديمقراطية. لكن الطريف أن بعض التحالفات تأتي من حيث لا يحتسب المنطق، ثم يطلب من المواطن أن يفهمها باعتبارها ثمرة نضج سياسي عميق. وربما يكون المطلوب من المواطن، في هذه الحالة، قدر من الخيال يفوق ما يحتاجه لفهم رواية من أدب العبث.
الأدهى أن الحزب قد يكون قد نشأ يوما حول أفكار كبيرة، ثم يمر عليه الزمن حتى تصبح تلك الأفكار أثاثا قديما محفوظا بعناية في مستودع الذاكرة. تستدعى عند المؤتمرات، وتعلق على المنصات، وتعود بعدها إلى مكانها في انتظار مناسبة جديدة. أما الحياة اليومية للتنظيم، فلها حساباتها الأكثر واقعية: المواقع، الأسماء، التوازنات، ومن سيدخل ومن سيبقى قريبا بما يكفي من الباب.
وحين تطول الإقامة في القيادة، قد يقع بعض الناس في وهم لطيف: أن الكرسي صار يعرفهم بالاسم. والحقيقة أن الكراسي أكثر برودة من أن تحفظ الوفاء لأحد. تجلس عليها أجيال، وتغادرها أجيال، بينما يظل السؤال الحقيقي: ماذا بقي من الحزب بعد أن يغادر زعيمه؟ هل بقيت مؤسسة، أم مجرد صورة كبيرة كانت تغطي الجدار؟
وللموائد السياسية غوايتها أيضا. فكلما امتلأت الأطباق، صار الامتحان أصعب. قد يدخل المرء السياسة وهو يرفع شعار الخدمة، ثم يكتشف أن الخدمة قد تأتي أحيانا بسيارة رسمية ومكتب واسع ومواعيد لا تنتهي. وهنا تبدأ المسافة الدقيقة بين من يرى المنصب وسيلة للعمل، ومن يرى العمل مبررا أنيقا للمنصب.
ومع ذلك، لا تزال في الأحزاب طاقات نضالية لم تفسدها حسابات المواقع، ولا أغرتها أضواء الواجهة. رجال ونساء ارتبطوا بالفكرة يوم كان الدفاع عنها كلفة لا مكسبا، وظلوا أوفياء لها حين لم تكن طريقا مختصرة إلى منصب أو امتياز. هؤلاء هم الرصيد الأخلاقي الحقيقي لأي تنظيم؛ لأنهم لا يقيسون السياسة بما تمنحه من نصيب، بل بما تفرضه من مسؤولية، ولا يرون في المائدة غاية تستحق التزاحم، بل امتحانا يكشف مقدار الوفاء للمبادئ بعد أن تصبح المكاسب في متناول اليد.
المشكلة إذن ليست في الحكم ولا في المشاركة ولا في التفاوض. كل ذلك من صميم الديمقراطية. المشكلة تبدأ عندما يصبح التفاوض هو المشروع، والموقع هو الغاية، والحقيبة هي الدليل الوحيد على النجاح. عندها تتحول الانتخابات من منافسة على خدمة المجتمع إلى موسم لتقدير الأحجام وتوزيع الصحون.
وقد يكون من المفيد، اختصارا للوقت، أن تقدم بعض البرامج المقبلة في هيئة قائمة طعام: في البداية شيء من المبادئ لفتح الشهية، ثم طبق رئيسي من المناصب، يليه تحالف دسم حسب النتائج، وفي الختام حلوى من الوعود المؤجلة إلى الولاية التالية.
أما الأسعار، فلا تثبت قبل الفرز.
والحجوزات، بطبيعة الحال، حسب الوزن الانتخابي.
ويبقى الحساب النهائي مفتوحا دائما.
لكن النادل يعرف الزبون الذي سيدفعه.
المواطن.



