
احتضن قصر الإليزيه في العاصمة الفرنسية باريس، الخميس 17 شتنبر 2026، احتفالية رسمية خصصت لتكريم المسار الرياضي لأسطورة الركبي الدولي عبد اللطيف بنعزي، العميد السابق للمنتخب الفرنسي وابن مدينة وجدة، وذلك بمناسبة توشيحه بوسام تقديراً لمسيرته في ملاعب الركبي وما راكمه من حضور في المشهد الرياضي الفرنسي والدولي.
ولم يقتصر حضور المغرب في هذه المناسبة على الاحتفاء بأحد أبرز الأسماء المغربية التي تركت بصمتها في رياضة الركبي الفرنسية، إذ شارك هشام أوباجا، رئيس الجامعة الملكية المغربية للركبي، في هذه المحطة التي جمعت بين الرياضة والبعد الرمزي للعلاقات المغربية الفرنسية.
وشكلت المناسبة، في جانب منها، فرصة لإبراز التحولات التي تشهدها رياضة الركبي المغربية، في ظل توجه الجامعة نحو إعادة بناء حضور المنتخبات الوطنية وتطوير آليات الحكامة والتكوين والانفتاح على التجارب الدولية.
بنعزي.. ذاكرة مغربية في الركبي الفرنسي

يحمل تكريم عبد اللطيف بنعزي دلالة خاصة بالنسبة للركبي المغربي، باعتباره أحد الأسماء التي انتقلت من الملاعب المغربية إلى أعلى مستويات المنافسة الدولية، قبل أن يصبح أحد الوجوه البارزة في المنتخب الفرنسي ويحمل شارة العمادة.
ومن هذا المنطلق، تحولت الاحتفالية في الإليزيه إلى مناسبة لاستحضار مسار رياضي يعكس، في أحد أبعاده، قدرة الكفاءات المغربية على الحضور في الرياضات العالمية، كما أعادت إلى الواجهة أهمية الاستثمار في الرموز الرياضية التي يمكن أن تشكل جسراً بين الأجيال وبين التجارب الرياضية المختلفة.
وعلى هامش الحفل، قدم رئيس الجامعة الملكية المغربية للركبي قميص المنتخب الوطني المغربي إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في مبادرة ذات حمولة رمزية تعكس حضور الرياضة في مساحات التقارب بين البلدين.
وقال هشام أوباجا إن هذه اللحظة شكلت مصدر اعتزاز بالنسبة إليه، مشيراً إلى أن الرئيس الفرنسي أبدى تقديره للمجهودات التي يبذلها المغرب في مجالات متعددة، وفق ما ورد في المعطيات المرتبطة بالمناسبة.
من رفع التعليق إلى إعادة بناء المؤسسة
ويأتي هذا الحضور في باريس في سياق مرحلة جديدة تعيشها رياضة الركبي المغربية، بعد سنوات طبعتها صعوبات على المستويين التنظيمي والقاري والدولي.
وتراهن الجامعة الملكية المغربية للركبي، منذ انتخاب مكتبها الحالي، على إعادة ترتيب البيت الداخلي، واستعادة الحضور في المنافسات القارية والدولية، بالتوازي مع العمل على تطوير المنتخبات الوطنية وتوسيع قاعدة الممارسة.
وفي هذا السياق، ارتبط اسم هشام أوباجا أيضاً بحضور داخل هياكل الاتحاد الإفريقي للركبي، من خلال تمثيل منطقة شمال إفريقيا في لجنة المسابقات، إلى جانب مشاركته في هيئات مرتبطة بالحكامة والشفافية الرياضية على المستوى القاري.
ويعكس هذا المسار، وفق الجامعة، توجهاً نحو جعل الحضور المغربي في مؤسسات الركبي الإفريقية جزءاً من استراتيجية أوسع تتجاوز المشاركة في المنافسات إلى المساهمة في صياغة وتطوير آليات تدبير اللعبة قارياً.
الحكامة.. الرهان الآخر
ولا ينفصل الحضور المغربي في الهيئات القارية عن النقاش المتنامي حول الحكامة الرياضية في إفريقيا، خصوصاً في رياضة تحتاج إلى تطوير بنياتها التنظيمية والمالية والتنافسية حتى تتمكن من توسيع قاعدة انتشارها ورفع قيمتها التجارية والجماهيرية.
وفي هذا الإطار، يأتي إدراج هشام أوباجا ضمن اللجنة القارية المعنية بالشفافية والحكامة التي أحدثها الاتحاد الإفريقي للركبي، وهي هيئة يفترض أن تضطلع بمهام مرتبطة بتعزيز النزاهة والشفافية واحترام المعايير التنظيمية في المنافسات القارية.
ويفتح هذا الموقع أمام الجامعة المغربية هامشاً للمساهمة في النقاش الإفريقي حول تطوير الإدارة الرياضية، وتحسين تنظيم المسابقات، وتعزيز جاذبية المنافسات أمام الشركاء والرعاة والجمهور.
مشروع رياضي يتجاوز المنافسة
وعلى المستوى التقني، تتجه الجامعة إلى الاستفادة من الخبرات الدولية في إطار مشروع يستهدف إعادة بناء المنتخبات الوطنية ورفع مستوى التنافسية.
وفي هذا السياق، تم الاستعانة بالإطار التقني الفرنسي برنارد غوتا للإشراف على المنتخبات الوطنية، ضمن تصور يرتبط أيضاً بالتحضير للاستحقاقات المقبلة، ومن بينها مشروع التأهل إلى كأس العالم 2031.
كما تشمل الرؤية توسيع قاعدة ممارسة الركبي من خلال برامج تستهدف الوسطين المدرسي والجامعي، إلى جانب تطوير منظومة التكوين وتأهيل البنيات التحتية بما يسمح بإنتاج جيل جديد من اللاعبين والمدربين والحكام.
وإذا كانت النتائج الرياضية هي المقياس النهائي لأي مشروع في عالم المنافسة، فإن بناء منظومة مستدامة يظل مرتبطاً كذلك بمدى قدرة المؤسسات الرياضية على الاستثمار في التكوين والحوكمة والاستمرارية.
الرياضة كرافعة للإشعاع
وتمنح تجربة عبد اللطيف بنعزي، في هذا السياق، الجامعة المغربية نموذجاً للاستثمار في الرموز والكفاءات التي صنعت مساراتها في ملاعب دولية.
فاستحضار أسماء من قبيل بنعزي لا يتعلق فقط بتكريم الماضي، بل يمكن أن يشكل مدخلاً لربط الأجيال الجديدة بتاريخ اللعبة، والاستفادة من الخبرات المغربية المنتشرة في مختلف المدارس الرياضية العالمية.
ومن الإليزيه إلى المؤسسات القارية للركبي، يبدو أن الحضور المغربي يسعى إلى الجمع بين ثلاثة مسارات متوازية: إعادة بناء اللعبة وطنياً، تعزيز موقعها داخل المنظومة الإفريقية، والاستفادة من الرصيد البشري والرمزي المغربي في الخارج.
رؤية الحدث الافريقي
تكريم عبد اللطيف بنعزي في قصر الإليزيه يعيد التذكير بأن الرياضة لا تختزل في النتائج والميداليات، بل يمكن أن تتحول أيضاً إلى مساحة للتواصل بين الدول والثقافات، وإلى قناة لاستثمار الكفاءات والرموز في بناء جسور جديدة.
أما بالنسبة للركبي المغربي، فإن التحدي الحقيقي يبدأ خارج قاعات التكريم،هل تستطيع المرحلة الجديدة تحويل الحضور المؤسساتي والدبلوماسي إلى نتائج ميدانية، وقاعدة ممارسة أوسع، ومنتخبات أكثر تنافسية؟ الإجابة لن تقدمها الاحتفالات، بل ستكتبها الملاعب.



