أخبارالرئيسيةفي الصميم

مستشفياتنا العمومية وأزمة الانتظار القاتل

 بقلم: عبد الرحمن خالدي

لا شيء يسحق كرامة المواطن المغربي البسيط أكثر من أن يقصد مستشفى عمومياً وهو في قمة المرض والإنهاك، ليعود بنصف ورقة صغيرة تحمل موعداً بعد ستة أشهر أو سنة كاملة. هنا تتجلى المفارقة المأساوية في أبهى صورها في ظل تعامل الادارة بتماطل ، بينما ينهش المرض جسد المريض بالثواني والدقائق.

هذه المسافة الزمنية الطويلة بين بداية الألم وبداية العلاج تحولت، من طنجة إلى أكادير، إلى كابوس حقيقي يقض مضجع ملايين الأسر المغربية، وبخاصة الفئات الهشة وذوي الدخل المحدود. فالمرض لا ينتظر أحداً، والألم لا يعترف بأجندات المواعيد

وأمام هذا الاختناق، تجد العائلات نفسها مجبرة على الاختيار بين أمرين أحلاهما مر: إما الاستسلام للمرض وانتظار المجهول، وإما بيع ما تملك والوقوع في فخ الديون لتغطية مصاريف المصحات الخاصة. هذا الواقع المرير يضرب في الصميم مبدأ تكافؤ الفرص في الولوج إلى العلاج، ويكرس نوعاً من التمييز الطبقي غير المعلن في الحق في الحياة

جذور الأزمة: لماذا تختنق مستشفياتنا؟

وإذا أردنا تشخيص الداء الحقيقي وراء هذا الوضع المتأزم بعيداً عن التبريرات الجاهزة، سنجد أن منظومتنا الصحية، سواء في المستشفيات الإقليمية أو المراكز الجامعية، تعاني من عجز بنيوي خانق. هناك نقص حاد ومزمن في الأطباء والممرضين، يوازيه خصاص كبير في المعدات الطبية الحيوية، وعلى رأسها أجهزة الرنين المغناطيسي  هذا العرض الصحي الهزيل والمحدود وجد نفسه فجأة أمام تدفق بشري هائل وغير مسبوق، بعد توسيع قاعدة المستفيدين من التغطية الصحية الإجبارية، والنتيجة الحتمية هي أن الطبيب الواحد بات يواجه مئات الحالات يومياً في ظروف اشتغال كارثية، مما يفسر لجوء المستشفيات لتمديد المواعيد لتدبير هذا العجز، في وقت يستمر فيه نزيف هجرة الأطباء المغاربة نحو الخارج بحثاً عن آفاق أفضل.

خارطة طريق لإنقاذ المنظومة وصون الكرامة

إن الرهان الوطني على إنجاح مشروع الحماية الاجتماعية، الذي يعلق عليه المغاربة آمالاً عريضة، لا يمكن أن يتحقق دون حل جذري لمعضلة “الانتظار القاتل”. إنقاذ المنظومة يتطلب قرارات شجاعة واستثنائية؛ تبدأ بفتح باب التوظيف واسعاً أمام الأطر الطبية، وتحقيق عدالة حقيقية في توزيع التجهيزات والمعدات بين مختلف جهات المملكة لتخفيف الضغط على المدن الكبرى

أما بخصوص “رقمنة القطاع”، فلا يجب أن تتحول إلى جدار تعجيزي جديد أمام بسطاء الناس، بل ينبغي إرساء منظومة رقمية مرنة تأخذ بعين الاعتبار وضعية كبار السن والأشخاص الذين لا يتقنون استخدام التكنولوجيا الحديثة

في النهاية، يجب أن نستوعب جميعاً أن العلاج والصحة ليسا امتيازاً أو ترفاً يملك أحد حق تقسيطه على المواطنين، بل هما بل هما الركيزة الأساسية للمواطنة،وحق إنساني ودستوري ثابت.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button