أخبارالرئيسيةفي الصميم

توقيع منانة

ألمانيا-منير لكماني

كانت المدرسة قد خلعت ضجيج الأطفال وارتدت صمت الانتخابات. على جدار القاعة 87 بقيت شمس رسمها تلميذ بالطباشير، نصفها فوق السبورة ونصفها تحت لافتة تقول: «صوتك يصنع الغد». دارت مروحة السقف بكسل، كأنها تعيد اليوم نفسه ولا تجد فيه جديدا.

في الفناء، التصقت صورة مرشح بباب دورة المياه، فبدا مبتسما لكل من يدخلها ويخرج منها. لم يكن أحد قد تعمد الموضع؛ الريح هي التي أحسنت توزيع الوجوه. قالت منانة وهي تعبر: «هذا أول مرشح عرفت الريح مكانه».

وصلت الحاجة منانة عند الظهيرة. وضعت كيس الخبز عند قدميها، وقدمت بطاقتها للموظف. قلب الرجل صفحات السجل، وتوقف عند اسمها. لم يرفع عينيه حين قال: «لقد صوتت هذا الصباح».

ظنت أنه يمزح. قالت إن الصباح قضته بين الفرن وبائع الزيتون، وإن الركبتين اللتين أوصلتاها إلى المدرسة الآن لا تجيدان السباق. أدار السجل نحو رئيس المكتب. نظر الرئيس إلى العلامة بجوار اسمها، ثم نظر إليها كما ينظر من اكتشف خطأ في ذاكرة غيره.

«لعلك نسيت يا حاجة».
«أنسى أحيانا الملح فوق النار. أما قدومي إلى هنا فلا».
ابتسم ابتسامة المسؤول الذي وجد تفسيرا قبل أن يجد الواقعة: «هذا يحدث في سنك. ربما هو الزهايمر».

لم تغضب منانة. رفعت كيس الخبز عن الأرض، ونفضت عنه غبار القاعة. قالت: «إذا مرضت ذاكرتي، عالجوها عند الطبيب. أما صوتي، فابحثوا عنه في دفاتركم».

تململ الواقفون في الصف. صار الرئيس يقلب الأوراق بسرعة من يبحث عن صفحة تنقذه، لا عن حقيقة تزعجه. قالت المراقبة سلمى إنها تريد أن ترى موضع التوقيع. أشار الموظف إلى ثلاثة خطوط متشابكة. طلبت من منانة أن توقع اسمها على ورقة مستقلة. رسمت المرأة ميمها العريضة، ثم مدت بقية الحروف بثبات يد اعتادت كتابة الديون الصغيرة على ظهر أكياس الدقيق.

لم يتشابه التوقيعان. قال الرئيس إن الناس يوقعون بطرائق مختلفة حين يستعجلون. قالت منانة: «صحيح. لكنني لم أستعجل صباحا، لأنني لم آت أصلا». لم تجزم سلمى بشيء؛ سجلت اختلاف التوقيع ووقت حضور المرأة، وطلبت حفظ الصفحة للنظر فيها. التقط المصور صورة للرئيس وهو يشير إلى الصندوق. لم يلتقط صورة لليد التي وقعت الاعتراض.

اقترح الرئيس أن يطوى الأمر باعتباره «التباسا عائليا». سألته منانة إن كانت أسرتها تضم شخصا آخر يحمل اسمها وبطاقتها. لم يجب. كان قد أعد جملة يرددها للمصور عن انتظام العملية، فظل يردد أولها: «كل شيء يسير…»، ثم يتوقف عند كلمة «يسير».

عند الباب، تقدم شاب يبحث عن اسم أبيه. كان الأب طريح الفراش منذ أسبوع، والاسم يحمل علامة التصويت أيضا. قال الرئيس: «ربما خرج ولم تخبرك الأسرة». أجابه الشاب: «لو خرج من فراشه لاجتمع الحي كله للاحتفال، ولجئناك بصورة قبل أن تجيئنا بنتيجة». وضع الرئيس إصبعه فوق السطر، كأن الإصبع يستطيع حجب الاسم عمن قرأه.

همس حارس القاعة: «صار عندنا ناخبون أشباح». سمعته منانة فقالت: «بل أشباح مجتهدة. نحن نقف في الشمس، وهي تبلغ الصندوق قبلنا». ضحك اثنان، ثم سكتا حين رأيا الرئيس يتجه نحو الهاتف. كان يطلب من جهة ما أن ترسل من يفسر له كيف يحصي أشخاصا رآهم السجل ولم ترهم القاعة.

في تلك اللحظة دخل صحفي يطلب خبرا. أراد الرئيس أن يقف أمام اللافتة، فأشارت سلمى إلى المحضر المفتوح. سأل الصحفي عما حدث، فقال الرئيس: «مجرد اختلاف في الذاكرة». قالت منانة: «اكتب اختلافا في الأوراق. ذاكرتي لم تقدم طلبا للترشح».

في الخارج انتظرها بائع الزيتون. سألها لماذا تأخرت، وقد ترك لها حفنة من الحبات الطيبة. قالت: «جئت لأضع ورقة، فوجدت ورقة موضوعة مكاني». ناولها الحفنة، وسأل إن كانت ستعود غدا. نظرت إلى يدها التي وقعت الاعتراض: «سأعود حين يعرفون من جاء اليوم باسمي».

عند الغروب علق إعلان يفيد بتعليق نتيجة القاعة ريثما تفحص الاعتراضات. لم يعرف الناس بعد من صنع التوقيع الغريب، ولم تكن منانة تملك اتهاما جاهزا. مر تلميذ يتأمل الشمس التي رسمها على جدار المدرسة، وسألها لماذا بقيت حتى المساء. قالت: «أنتظر من سبقني إلى الصندوق؛ لأعرف إن كان شبحا أم أنني صرت الشبح».

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button