
بقلم/ ربيع كنفودي
لم يكن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة مجرد تغيير في اسم الشخص الذي سيتولى قيادة السلطة التنفيذية، بل حمل دلالة سياسية ومؤسساتية ورمزية بالغة الأهمية، باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب، وقد جاء هذا التعيين في سياق دستوري وسياسي يكرس مبدأ المساواة والسعي نحو المناصفة بين النساء والرجال.
غير أن المفارقة تبرز بقوة عندما ننتقل من صورة رئيسة الحكومة إلى صورة الأحزاب السياسية التي يفترض أن تتفاوض معها حول هندسة الأغلبية وتوزيع المسؤوليات الحكومية، فإذا كانت المشاورات الجارية تدار وتدبر في الغالب عبر وجوه قيادية رجالية، فإن السؤال لم يعد يتعلق فقط بمن سيحصل على هذه الحقيبة أو تلك، وإنما بمن يجلس أصلا حول طاولة صناعة القرار السياسي.
وهنا نتساءل، هل نحن أمام تغييب للمرأة؟ أم أمام إقصاء غير معلن للقيادات النسائية؟ أم أن الأحزاب السياسية نفسها لم تنجح، بعد عقود من الخطاب حول تمكين المرأة، في إنتاج عدد كاف من القيادات النسائية القادرة على التواجد في الصف الأول من مفاوضات تشكيل الحكومات؟
المسألة هنا لا ينبغي اختزالها في عدد النساء اللواتي يحضرن اجتماعات المشاورات، لأن المشكلة أعمق من الصورة البروتوكولية، إنها تتعلق بالبنية الداخلية للأحزاب، وبطريقة صناعة النخب، وبمعايير اختيار من يمثل الحزب في لحظات القرار الكبرى. فإذا كانت الأحزاب السياسية تعتبر نفسها مدارس لتكوين النخب، فإن تغييب النساء عن مواقع التفاوض وصناعة القرار، يكشف، في حال ثبوت هذا التغييب، عن خلل في مسار إنتاج النخبة السياسية أكثر مما يكشف عن مجرد اختيار ظرفي لأعضاء الوفود.
والأكثر إثارة في هذه المفارقة نفسها، أن المغرب لم يعد يفتقر إلى الإطار القانوني والسياسي الذي يدفع في اتجاه تعزيز مشاركة النساء، فالمنظومة الانتخابية الجديدة لسنة 2026 تضمنت مقتضيات إضافية لتعزيز تمثيلية النساء داخل مجلس النواب، كما جعلت بعض الدوائر الانتخابية الجهوية مخصصة حصريا للترشيحات النسائية، وأدخلت شروطا لتعزيز حضور النساء منذ مرحلة تأسيس الأحزاب السياسية نفسها، والأكثر من هذا أن نساء ترشحن على مستوى الدوائر المخلية وحققن الفوز بفارق كبير، كما كان الحال مع فاطمة الزهراء منصوري التي ترشحت وكيلة للائحة محلية.
إن مبدأ المناصفة لا يمكن أن يتحول إلى مجرد شعار انتخابي أو إلى أرقام في اللوائح الانتخابية، ولا يمكن أن يختزل في تعيين امرأة واحدة في موقع سياسي رفيع، مهما كانت أهمية هذا الموقع. فالمناصفة الحقيقية تبدأ من داخل التنظيمات السياسية نفسها، من المكاتب السياسية والأمانات العامة واللجان المركزية والوفود التفاوضية، ودوائر اتخاذ القرار وصولا إلى الحكومة.
إن وجود فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة اليوم، يضع الأحزاب السياسية أمام اختبار حقيقي، فهذه الأحزاب مطالبة بأن تثبت أن صعود المرأة إلى أعلى هرم السلطة التنفيذية ليس استثناء، وإنما جزء من تحول أعمق في الثقافة السياسية المغربية. وهو الأمر الذي يجعلنا نعيد طرح السؤال نفسه، هل تمتلك الأحزاب السياسية المغربية بالفعل خزانا من القيادات النسائية القادرة على تحمل المسؤوليات الحكومية؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فإن استمرار حصر التفاوض السياسي في الوجوه الرجالية يحتاج إلى تفسير سياسي واضح. أما إذا كانت الإجابة لا، فإن الإشكال يصبح أكثر تعقيدا، فكيف لأحزاب تتنافس على قيادة المجتمع والدولة أن تعترف عمليا بأنها لم تستطع داخل بنياتها التنظيمية، إنتاج قيادات نسائية بالعدد والكفاءة والحضور السياسي الكافي؟
إن تعيين امرأة على رأس الحكومة يمكن أن يشكل لحظة فارقة في تاريخ المشاركة السياسية للمرأة المغربية، لكن نجاح هذه اللحظة لن يقاس فقط بوجود امرأة في قمة الهرم التنفيذي، بل بقدرة الأحزاب على تحويل هذا الحدث إلى تحول داخل بنياتها وممارساتها. فإذا ظلت المرأة حاضرة في الخطاب وغائبة عن غرف القرار، فإننا أمام تناقض سياسي واضح، وإذا كانت الأحزاب تتحدث عن الحداثة والمساواة والمناصفة، ثم لا تجد في لحظة تشكيل الحكومة سوى الرجال للتفاوض، فإن عليها أن تراجع أولا طريقة صناعة قياداتها.
فالمرأة المغربية اليوم، لا تحتاج فقط إلى مقعد في الحكومة، بل إلى موقع على طاولة صناعة القرار السياسي، والاختبار الحقيقي لرئيسة الحكومة الجديدة لن يكون فقط في تشكيل حكومة متوازنة، وإنما أيضا في معرفة ما إذا كانت هذه اللحظة التاريخية ستفتح الباب أمام جيل جديد من القيادات النسائية داخل الأحزاب، أم ستظل مجرد استثناء نسائي في قمة هرم سياسي ما يزال، في مستويات متعددة، ذكوريا في بنيته وممارسته.



