أخبارالرئيسيةثقافة و فنجهات المملكة

البطيوي..تحولات النظام الدولي تفرض على إفريقيا بلورة رؤى استراتيجية مندمجة

أصيلة تدشن دورتها الخريفية الـ47 بنقاشات جيوسياسية حول مستقبل إفريقيا ورهانات الطاقة والمياه

الحدث الإفريقي – أصيلة

بمشاركة شخصيات دبلوماسية وسياسية وثقافية، أعطيت، اليوم الجمعة بمدينة أصيلة، انطلاقة فعاليات الدورة الخريفية السابعة والأربعين لموسم أصيلة الثقافي الدولي، الذي تنظمه مؤسسة منتدى أصيلة تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس، تحت شعار «أصيلة.. أرض اللقاء والحوار»، في موعد ثقافي متجدد يجمع بين النقاش الفكري والقضايا الاستراتيجية والإبداع الفني والأدبي.

وتستهل هذه الدورة، التي تتواصل إلى غاية 18 أكتوبر الجاري، برنامجها بفتح ملف الرهانات الطاقية والمائية في القارة الإفريقية، من خلال ندوة تحمل عنوان «الرهانات الطاقية والمائية في إفريقيا والمشاريع الاستراتيجية.. نحو جغرافيا سياسية جديدة»، واضعة التحولات التي تعرفها القارة في سياق التنافس الدولي على الموارد الطبيعية، وإعادة تشكيل موازين القوى، وما تفرضه التحديات المناخية والاقتصادية من رهانات على مستقبل التنمية والاستقلال الاستراتيجي للدول الإفريقية.

وفي كلمة بالمناسبة، أكد الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، حاتم البطيوي، أن التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي تفرض على الدول الإفريقية بلورة رؤى استراتيجية مندمجة، تقوم على تنويع الشراكات، وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتطوير نماذج تنموية مستدامة وشاملة.

وأوضح أن القارة الإفريقية تواجه مرحلة دقيقة تتداخل فيها المنافسة الجيوستراتيجية بين القوى الكبرى حول الموارد الطبيعية وطرق التجارة ومجالات النفوذ، مع تداعيات التغير المناخي وتزايد الضغط على الموارد المائية والطاقية، فضلاً عن الاضطرابات التي تطال سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تجعل من تدبير الموارد الاستراتيجية أحد المحددات الأساسية لمستقبل القارة وموقعها في المعادلات الدولية.

واعتبر البطيوي أن النقاش حول الطاقة والمياه لم يعد محصوراً في أبعاده الاقتصادية والتقنية، بل أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بقضايا الأمن والتنمية والسيادة، وبقدرة الدول الإفريقية على تحويل مؤهلاتها الطبيعية إلى فرص حقيقية للتنمية وتعزيز حضورها في الاقتصاد العالمي.

وعلى صعيد آخر، عبر الأمين العام للمنتدى عن اعتزازه بالرعاية الملكية السامية التي يحظى بها موسم أصيلة الثقافي الدولي، معتبراً أنها تجسد العناية التي يوليها الملك محمد السادس للثقافة والفكر والإبداع بمختلف تعبيراته، وتشكل دعامة أساسية لاستمرار المشروع الثقافي والتنويري للمنتدى، الذي جعل من أصيلة فضاء مفتوحاً للحوار الحر وتبادل الرؤى والخبرات، ومنصة للتواصل بين الحضارات والثقافات.

من جهته، أكد وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، في كلمة تلاها نيابة عنه الكاتب العام لقطاع الثقافة، محمد بن يعقوب، حرص الوزارة على مواصلة مواكبة منتدى أصيلة، الذي يقترب من إتمام نصف قرن من العطاء الفكري والفني، مشيراً إلى أن الموسم راكم تجربة ثقافية متميزة تجمع بين مناقشة القضايا الجيوسياسية والفكرية الكبرى، واحتضان الإبداع التشكيلي، وتربية الأجيال الناشئة على التفكير والابتكار.

وأضافت كلمة الوزير أن خصوصية موسم أصيلة تكمن في قدرته على الجمع بين الفكر والممارسة الفنية، وتحويل الثقافة إلى فضاء للتفاعل بين الأسئلة الكبرى التي تشغل العالم ومختلف أشكال التعبير الإبداعي، بما يعزز موقع التظاهرة ضمن المشهد الثقافي الوطني والدولي.

بدوره، أبرز رئيس المجلس الجماعي لأصيلة، طارق غيلان، الأبعاد التنموية للموسم الثقافي، ولا سيما دوره في الاستثمار في الرأسمال البشري، من خلال المبادرات والورشات الموجهة للأطفال والناشئة، التي أتاحت لأجيال من أبناء المدينة فرص الاحتكاك بالفنانين والمبدعين والانفتاح على تجارب وثقافات متعددة.

وشدد على أن الرصيد الثقافي والرمزي الذي راكمته أصيلة على مدى عقود يضع مختلف الفاعلين أمام مسؤولية المحافظة على الهوية الثقافية للمدينة وتطويرها، والعمل على تحويل هذا الموروث إلى رافعة للتنمية المحلية، بما يجعل الثقافة جزءاً من دينامية التنمية وليس مجرد نشاط موسمي.

برنامج يجمع الفكر والإبداع

وتتوزع فقرات الدورة الخريفية السابعة والأربعين على مجموعة من الندوات واللقاءات الفكرية والأدبية والفنية، من أبرزها ندوة «العالم العربي في أفق 2030: التحديات والتحولات والآفاق»، المرتقبة يومي 10 و11 أكتوبر، والتي تفتح المجال لمناقشة التحولات التي تعرفها المنطقة العربية واستشراف رهاناتها المستقبلية.

كما يتضمن البرنامج ندوة تكريمية للمؤرخة والناقدة الفنية طوني مارايني، حول علاقتها بالمشهد التشكيلي المغربي، يومي 5 و6 أكتوبر، إلى جانب لقاء فكري يحتفي بتجربة الكاتب التونسي حسونة المصباحي، أحد أصدقاء موسم أصيلة، تحت عنوان «حسونة المصباحي: سفر في التعابير والأمكنة»، يوم 15 أكتوبر.

وفي المجال الأدبي، تخصص خيمة الإبداع هذه الدورة للكاتب المغربي مبارك ربيع، تحت عنوان «مبارك ربيع: أصالة الكاتب ومدارج الكتابة»، يوم 13 أكتوبر، في احتفاء بتجربة أدبية أسهمت في إغناء السرد المغربي وتطوير مساراته التعبيرية.

أما الشعر، فسيكون حاضراً من خلال اللقاء الشعري الرابع، يوم 16 أكتوبر، الذي يناقش موضوع «الشعراء الجدد في العالم العربي والشعريات المتحولة: من تعدد الأشكال إلى تداخل الوسائط»، فضلاً عن تنظيم الدورة الثامنة لجائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب، يوم 17 أكتوبر، دعماً للأصوات الشعرية الجديدة وتشجيعاً للتجارب الإبداعية الصاعدة.

وعلى مستوى الفنون التشكيلية، تحتضن أصيلة ورشات متخصصة في الحفر والصباغة الزيتية والليتوغرافيا، بمشاركة فنانين من بلدان عربية وأجنبية، إلى جانب معرض لأعمال الفنانين التشكيليين المغربيين محمد المرابطي ويونس الخراز، برواق محمد بن عيسى للفنون الجميلة بمركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية.

كما يحتضن قصر الثقافة معرضاً للصور الفوتوغرافية للراحل محمد بن عيسى، فضلاً عن معرض جماعي يعرض إبداعات الأطفال المشاركين في فقرة «مواهب الموسم».

وتحافظ الدورة، في امتداد لنهج تربوي وإبداعي راكمه المنتدى على مدى سنوات، على حضور الأنشطة الموجهة للأطفال والناشئة، من خلال «مشغل مواهب الطفل» و«مشغل التعبير الأدبي وكتابة الطفل»، اللذين يهدفان إلى تنمية القدرات الفنية والأدبية لدى الأجيال الصاعدة، وإتاحة فرص التعلم والتجريب والتعبير عن الذات في فضاء يحتضن المواهب ويشجع الابتكار.

أصيلة.. الثقافة بوابة للحوار الدولي

وبانطلاق هذه الدورة الخريفية، تجدد مؤسسة منتدى أصيلة موعدها مع الثقافة بوصفها مجالاً للتفكير في التحولات الدولية، ومنصة للتفاعل بين التجارب الفكرية والفنية المختلفة. فمنذ أكثر من أربعة عقود، استطاعت المدينة أن ترسخ تقليداً ثقافياً يتجاوز حدود التظاهرات الموسمية، مستقطبة شخصيات من عوالم الدبلوماسية والسياسة والفكر والإعلام والفن، ومكرسة فضاءاتها لاحتضان النقاش الحر والإبداع والتبادل الثقافي.

وتكتسب دورة هذه السنة دلالة خاصة من خلال إفراد حيز مهم للقضايا الإفريقية، وفي مقدمتها الأمن الطاقي والمائي، بما يعكس تنامي أهمية الموارد الاستراتيجية في رسم ملامح التوازنات الدولية الجديدة، ويضع أصيلة مرة أخرى في قلب نقاش يتجاوز الحدود الجغرافية للمدينة نحو أسئلة التنمية والسيادة ومستقبل العلاقات الدولية.

وهكذا، تواصل أصيلة تقديم نموذج ثقافي تتقاطع فيه رهانات الفكر مع طموحات الإبداع، ويتحول فيه الحوار إلى مدخل لفهم التحولات واستشراف المستقبل، في تجربة جعلت من الثقافة إحدى العلامات المميزة لهوية المدينة وإشعاعها المغربي والعربي والإفريقي والدولي.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button