أخبارالرئيسيةفي الصميم

العتاب والشكوى في مفاوضات تشكيل الحكومة: حدود المصالح وأخلاقيات التحالف

الباب المحلولة.. كدخل الغول والغولة

ألمانيا-منير لكماني

لا تنتهي الخصومات السياسية حين تنطفئ مكبرات الحملات الانتخابية؛ بعضها ينتقل إلى غرف التفاوض، حيث يجلس خصوم الأمس بحثا عن أغلبية الغد. هناك تصبح الكلمات موزونة بميزانين: ميزان الكرامة وميزان المصلحة. وبعد تكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة، يبرز سؤال يتجاوز عدد المقاعد وأسماء الوزراء: كيف تبنى شراكة بين أحزاب تحمل إلى المائدة نفسها رغبة في الحكم وذاكرة مثقلة بالعتاب؟

تتيح الحكمة القائلة «معاتبة الأخ أهون من فقده» مدخلا لفهم هذه اللحظة السياسية، حيث تتجاور الرغبة في المصالحة مع الخشية من تكرار التجربة. فالذي يعاتب يترك باب العلاقة مفتوحا، ويطلب من الآخر أن يرى الجرح الذي أحدثه. وفي السياسة، قد يكون العتاب اعترافا بأن الخلاف لم يبلغ حد القطيعة، وأن الشراكة ما زالت تستحق محاولة الإنقاذ.

لكن عتاب الأحزاب يحمل تعقيدا يتجاوز صفاء هذه الحكمة. فقد يشكو حزب تهميشه دفاعا عن موقعه في القرار، وقد يستحضر إساءات سابقة لتحسين نصيبه من الحقائب. وهنا تتداخل المطالبة بالإنصاف مع الرغبة في المكسب، ويصبح على المفاوض أن يميز بين استعادة الاعتبار وتسعير المشاركة. فكل شكوى تستحق الإصغاء، لكنها لا تمنح صاحبها حق تحويل الحكومة إلى تعويض عن خسائره.

تبدو هذه المسألة حاضرة عند تأمل العلاقة بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، الذين جمعهم التحالف السابق. فعندما يتغير ميزان القوة، يعاد تفسير الماضي: ما كان نجاحا مشتركا قد يصبح إنجازا ينسبه كل طرف إلى نفسه، وما كان إخفاقا جماعيا يبحث عن كتف واحدة تحمله. لذلك تحتاج المصالحة السياسية إلى قدر من الصراحة يمنع تحويل الحليف إلى مستودع للأخطاء.

وتختصر صورة الريح التي تهب من غير وجهها هذا الانقلاب في علاقة الشركاء. فقد يتوقع الشريك النقد من المعارضة، ثم تأتيه أقسى سهامه من شريكه في الحكم. عندئذ يكون العتاب مطالبة بتصحيح العلاقة، وبضمان ألا تتكرر القسوة تحت سقف الحكومة الجديدة. فلا يكفي إعلان طي الصفحة إذا بقيت طريقة كتابة الصفحات المقبلة محكومة بالمنطق نفسه الذي أفسد ما سبقها.

غير أن استحضار الجراح يحتاج إلى حدود. فقديما قيل إن «المعاتبة تبعث التجني». وهي حكمة تكشف كيف يتحول طلب التوضيح إلى سباق في الاتهام. تبدأ الجلسة بمظلمة محددة، وتنتهي بأرشيف من الإساءات، حتى يصبح الاعتذار مطلوبا عن كل شيء، ويغدو الاتفاق مؤجلا إلى أن يعترف طرف بأنه كان المخطئ دائما. ويتحول التفاوض إلى محاكمة يستحيل فيها إصدار حكم.

هنا يقع الامتحان الأصعب أمام المنصوري: إدارة اختلافات يمكن احتواؤها، دون السماح لها بابتلاع غاية التفاوض. تحتاج الحكومة إلى برنامج واضح، وكفاءات مناسبة، وشركاء يعرفون حدود مسؤولياتهم، ويقبلون المحاسبة على قراراتهم المشتركة. أما توزيع المناصب لتهدئة الغضب، فيؤجل النزاع إلى أول قرار صعب. فالرضا الذي تشتريه حقيبة قد يتبدد حين تتطلب المسؤولية تضحية، والتحالف الذي يجمعه اقتسام السلطة يحتاج إلى ما يحفظه عند اقتسام الكلفة.

وتختصر عبارة «العتاب قبل العقاب» جانبا من أخلاق الشراكة. تستحق هذه العبارة أن تكون قاعدة في تدبير التحالفات: تسبق المكاشفة الاستبعاد، ويسبق الحوار التهديد بالانسحاب. غير أن الإنصاف يقتضي أيضا قبول نتائج التفاوض؛ فمن يطالب باحترام مكانته مطالب باحترام مكانة الآخرين. وتبدأ الثقة حين يتوقف كل طرف عن قياس نجاح الاتفاق بمقدار ما انتزعه وحده من شركائه.

ومع ذلك، تظل الشكوى الأشد إلحاحا خارج غرف المشاورات. فالمواطن لا ينتظر إنصاف حزب من حزب، بل ينتظر أثرا في معيشته وعلاجه وتعليم أبنائه. وإذا استغرقت الأحزاب في جراحها، جعلت الناس شهودا على نزاع لا يحسن حياتهم. ولهذا ينبغي أن يقاس نضج الاتفاق بقدرته على تحويل مطالب المجتمع إلى أولويات، وأن تجد الشكوى الاجتماعية مكانها قبل أن تضيق الحكومة بشكاوى مكوناتها.

قد يساعد العتاب على ترميم الثقة، وقد يكشف أن الشراكة استنفدت أسباب بقائها. وفي الحالتين، يكشف التفاوض مقدار النضج في إدارة الاختلاف، وحدود القدرة على تحمل تبعاته. أما معيار السياسة فتبقى المصلحة العامة: أن يخرج المتفاوضون باتفاق يستطيعون الدفاع عنه أمام المواطنين. فالحكومة التي تولد لإرضاء الأحزاب قد تهدئ خصوماتها مؤقتا؛ لكن الحكومة التي تستحق الثقة تبدأ حين يصير وجع الناس أسبق من جراح السياسيين.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button