
جوهانسبورغ : عدنان عبوا
في جوهانسبورغ كما في غيرها من مدن جنوب إفريقيا، أصبحت رياضة الجري، أكثر من مجرد ممارسة اعتيادية للحفاظ على اللياقة البدنية، بل تحديا يوميا يختزل علاقة مضطربة بين الإنسان والفضاء العام بسبب ارتفاع منسوب الجريمة وعنف الشوارع.
“ما عدنا نشعر بالأمان في أي مكان. لم يعد السؤال هل أكون الضحية المقبلة، بل متى يحين دوري”، تحكي جولي سيدة على مشارف الأربعين، وهي تستعيد ذكرى قريبتها إليزابيث موسيلاكغومو، التي عثر على جثتها منتصف شتنبر الماضي، في كيمبتون بارك بضواحي جوهانسبورغ.
لم تكن تسونتسو (38 عاما)، أم لطفلة في الثامنة من عمرها وإحدى الضحايا ال 12 التي عثر على جثثهن في منطقة إيكورهوليني في أقل من شهرين، تعتقد أن خروجها للجري ذلك المساء سيكون آخر عهد لها مع رياضة عشقتها بشغف، هي من ظلت عضوة نشيطة بنادي “تيم فيتاليتي” ووجها مألوفا في عدد من السباقات الماراثونية.
وأثار مقتلها صدمة في أوساط العدائين والعداءات، إذ بات كثيرون يفضلون ممارسة الرياضة ضمن مجموعات أكبر، أو اختيار مسارات مضاءة ومأهولة، فيما قرر آخرون ممارسة التمارين داخل المنازل.
وامتدت المخاوف إلى أبعد من إقليم خاوتينغ حيث بات العداؤون، والنساء على وجه الخصوص، يعيدون النظر في عاداتهم المتعلقة بالجري والمشي، بينما تداولت مجموعات رياضية ونواد للجري في جوهانسبورغ وكيب تاون وديربان شهادات عن تزايد الحذر والمخاوف الأمنية.
ولا غرابة، فقد جاءت العام الماضي خمس مدن من جنوب إفريقيا ضمن أخطر عشر حواضر في العالم، احتلت ثلاث منها مراكز ضمن الخمس الأولى، وفق تصنيف يستند إلى بيانات الجريمة على مدى ست سنوات ونصف السنة الأخيرة.
ويعتمد هذا المؤشر على تقييم المشاركين لمدى انتشار الجريمة في مدنهم، وشعورهم بالأمان، ومخاوفهم بشأن أنواع محددة من الجرائم، فضلا عن تجاربهم مع الجرائم العنيفة والجرائم المرتبطة بالممتلكات.
والنتيجة أن العدائين ما عادوا يركضون بالطريقة نفسها في مدن أخرى، إذ تبدو خطواتهم هنا أكثر يقظة، والعيون أكثر ترصدا.
ومن مؤشرات هذا التحول الحاد في عادات العدائين أن الكثير منهم صار يحمل حقيبة على الخصر أو فوق الظهر تضم من بين أغراض أخرى رذاذ الفلفل أو سكينا من الحجم الصغير، فضلا عن مفاتيح السيارة لاستخدامها كسلاح للدفاع عن النفس عند الاقتضاء.
كما تؤكد إرشادات محلية للعدائين أن العزلة والاستماع إلى الموسيقى عبر سماعات الأذن، والركض في مناطق قليلة الحركة، كلها عوامل قد تزيد مجتمعة أو متفرقة من قابلية التعرض للمخاطر.
ولا يبدو هذا السلوك منفصلا عن المناخ العام الذي يطبع الحياة الحضرية في جوهانسبورغ.
فقد خلص الباحث الاجتماعي أيدان موسلسون، إلى أن الخوف، سواء استند إلى تجربة مباشرة أو إلى تصور متراكم للمخاطر، يؤثر في الطريقة التي يتحرك بها السكان داخل المجال الحضري، وفي علاقتهم بالأماكن العامة وبالآخرين.
ومن منظور علم الاجتماع الحضري، يرى الباحثان نيكي فالكوف، وكوبوس فان ستادن أن القلق أصبح أحد المفاتيح لفهم الحياة اليومية في المدينة، مؤكدين أن الجريمة لا تؤثر فقط من خلال وقوعها الفعلي، وإنما أيضا من خلال الخوف منها، وهو خوف يعيد تشكيل السلوك والفضاء والعلاقات الاجتماعية.
وتكتسي هذه الملاحظات بعدا سلوكيا لافتا حين يتعلق الأمر بالرياضة، إذ أظهرت دراسة شملت أكثر من 30 ألف شخص في خاوتينغ أن الشعور بانعدام الأمان يرتبط بانخفاض ممارسة النشاط البدني المنتظم، وأن هذا الارتباط كان ذا دلالة إحصائية في جوهانسبورغ خلال النهار والليل على حد سواء.
وبذلك، لا تكتفي الجريمة بتقييد حركة الناس بعد وقوعها، بل يمكن للخوف منها أن يستبقها ويؤثر في قرار الفرد بشأن الخروج أصلا إلى الشارع.
وفي نفس المنحى، كشفت دراسة حديثة أجراها فوسي ماسيلانا، وسيابونغا هنري كونيني، من جامعة ويتواترسراند على عدائين في ستة أندية بسويتو عن انتشار مرتفع للإصابات المرتبطة بالجري، بلغت نسبتها 63 في المائة ضمن العينة المدروسة، بما يعكس تعدد المخاطر التي تواجه العدائين في البيئات الحضرية الأقل تهيئة، وإن كانت الدراسة تركز أساسا على الإصابات الرياضية ولا تقيس الجريمة ذاتها.
هكذا، يغدو الركض في شوارع “جوزي” كما يسميها أهلها توددا، مفارقة حضرية بامتياز، بحيث تفرض المدينة على سكانها نوعا جديدا من “السلوك الوقائي” في علاقته بنشاط يفترض أن يجسد الحرية والصحة والانفتاح على المدينة، لكنه يجري أحيانا تحت وطأة حسابات دقيقة للمكان، والوقت، والرفقة.
ولعل المفارقة الأعمق أن الركض الذي كان يمكن أن يكون إحدى وسائل استعادة الإنسان لعلاقته بالمدينة، يكشف عن مقدار ما فقده الفضاء العام من الطمأنينة.
وبينما يواصل العداؤون شق طريقهم بين الأرصفة والطرقات، تبدو خطواتهم وكأنها تقول شيئا أبعد من مجرد السعي إلى اللياقة، إنها محاولة لاسترداد الشارع من الخوف، ولو لساعة واحدة كل صباح.



