
اسبانيا- مولاي الحسن بنسيدي علي
لكل مجلس أدبه، ولكل مقام حرمته، ولكل موقع من مواقع المسؤولية أصوله وقواعده التي لا يليق بالمرء أن يتجاهلها أو يتعامل معها باستخفاف. فقد يُعذر من يجهل هذه الأصول إذا كان من عامة الناس، أو ممن لم تتح لهم فرصة مجالسة أصحاب المقامات الرفيعة من رؤساء ومسؤولين وعلماء، أو لم يسبق لهم الاحتكاك بعوالم تحكمها أعراف دقيقة وآداب خاصة. أما من عاش في تلك الأوساط، وخبر أهلها، وكان جزءًا من منظومتها، فإن جهله بأبجدياتها لا يعود مجرد نقص في المعرفة، بل قد يتحول إلى موضع مساءلة وعتاب، وربما سببًا في انتقاص قدره وتراجع مكانته وفقدانه الهيبة والاحترام، ليس في نظر من أساء تقدير مقامه فحسب، بل في أعين الآخرين أيضًا.
ولعلني أستحضر، في هذا السياق، موقفًا لا يزال راسخًا في ذاكرتي، يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين كنت طالبًا في السنة الرابعة من الإجازة في الحقوق، وأجتاز الامتحان الشفوي أمام أحد أساتذتي الأفاضل، وهو فقيه متمكن في القانون.
وجّه إليّ الأستاذ سؤالًا خارج نطاق المقرر، فقال:
«لنفترض أنك موظف سامٍ، واستدعاك رئيسك في العمل إلى مكتبه، فما أول ما تقوم به قبل الدخول عليه؟».
كنا ثلاثة من الطلبة. أجاب الأول بأنه سيهيئ ملفاته ووثائقه، بينما قال الثاني إنه سيحاول الاستفسار من الكتابة الخاصة للمسؤول عن سبب استدعائه، باعتبارهم أقرب إليه وأدرى بشؤونه.
أما أنا، فكان جوابي مختلفًا؛ إذ قلت إنني سأعتني بهندامي، وأضبط ربطة عنقي، وأتأكد من نظافة حذائي، وأغلق أزرار قميصي، وأصفف شعري، ثم أتوجه إلى مكتبه، فأقرع الباب وأنتظر الإذن بالدخول. وبعد أن يؤذن لي، أدخل بهدوء، وألقي عليه التحية وأنا واقف، وألتزم بآداب المقام، دون أن أستبق الحديث بالسؤال عن سبب استدعائه لي، مع الوقوف في هيئة تليق بالموقف، واضعًا يدي خلف ظهري.
ابتسم الأستاذ، ثم التفت إلى زميليّ وسألهما عن رأيهما في جوابي. وبعد شيء من التردد والتلعثم، أقرا بأنهما تعلما من زميلهما درسًا لم يكن في الحسبان.
وكان ذلك درسًا في أن المعرفة ليست دائمًا ما نقرؤه في الكتب، ولا ما نحفظه من نصوص وقواعد؛ فقد تكون في حسن التصرف، ودقة التقدير، وفهم ما تقتضيه المواقف من سلوك ينسجم مع طبيعتها ومكانة أطرافها.
ولم يكن ذلك الدرس الوحيد الذي رسخ في ذهني؛ فقد تعلمت من واقعة أخرى، جرى تداولها عن فنان مغربي كان في بداية مسيرته الفنية، أن الموهبة والشهرة، مهما بلغتا، لا تغنيان عن معرفة أصول التعامل مع أصحاب المقامات الرفيعة.
وتروي هذه الواقعة أن الفنان حظي بإعجاب عاهل البلاد، فدعاه إلى القصر الملكي. وبينما كانا يتجولان في حديقة القصر، وضع الفنان يديه في جيبيه، متصرفًا بعفوية ربما اعتادها في مجالسة أصدقائه، دون أن يستحضر خصوصية المكان وهيبة المقام. فاستاء الملك من تصرفه، وأمر بإخراجه من القصر حتى يتعلم أصول مخاطبة الملك ومراعاة البروتوكول الواجب.
ومع مرور الوقت، أدرك الفنان مغزى ما حدث، واستوعب أن القرب من أصحاب المقامات لا يعني إسقاط الحواجز التي تفرضها آداب التعامل، وأن التقدير الحقيقي لا يُقاس بمدى الألفة وحدها، وإنما بحسن التصرف ومعرفة حدود كل مقام. وتُروى الواقعة كذلك أنه أصبح لاحقًا من المقربين إلى السدة العالية.
وسواء أُخذت هذه الحكاية بوصفها واقعة متداولة أو عظة في أدب التعامل، فإن مغزاها يظل واضحًا: قد يفتح الإعجاب بالموهبة أبواب القصور، لكن حسن التصرف هو ما يصون مكانة الإنسان داخلها.
لقد علمتني هذه المواقف أن احترام الآخرين لا ينبغي أن يقتصر على من يكبروننا سنًا، بل يمتد إلى من تعلو مقاماتهم بحكم مسؤولياتهم ومواقعهم العلمية أو الإدارية أو الاجتماعية. فلكل مقام مقتضياته، ولكل مجلس أعرافه، ولكل موقف لغة لا تُعبّر عنها الكلمات وحدها، بل تؤديها أيضًا هيئة المرء، ونبرة صوته، وطريقة دخوله وجلوسه، وتوقيت حديثه، وقدرته على الإصغاء.
ولم تكن هذه الدروس بالنسبة إليّ مجرد ذكريات عابرة، بل تحولت إلى قواعد سلوك رافقتني في مسيرتي المهنية، وأسهمت في نجاحي في عملي إلى أن بلغت سن التقاعد. فقد أدركت أن الكفاءة وحدها لا تكفي إذا لم تسندها اللباقة، وأن العلم والخبرة لا يكتملان إلا بحسن المعاملة، وأن الإنسان قد يخسر من رصيده المعنوي في لحظة طيش أو سوء تقدير ما لا يستطيع تعويضه بسنوات من العمل والإنجاز.
ومن هنا، فإنني أستحضر هذه المواقف لا للتباهي بما تعلمته، ولا لإقامة حواجز مصطنعة بين الناس، وإنما رغبة في أن يستفيد منها غيري، ولا سيما من يتقلدون المسؤوليات أو يجدون أنفسهم في مجالس تتطلب قدرًا من الانضباط والكياسة وحسن التقدير.
فليس من الحكمة أن يدخل المرء مجلسًا لا يعرف أصوله، ثم يتصرف فيه وكأنه في بيته، أو يجلس بين أهل المقامات دون أن يراعي مقتضيات المجلس، أو يتخذ من الألفة ذريعة للتجاوز، ومن الثقة بالنفس مبررًا للاستخفاف بالآخرين.
وكم من شخص أساء إلى نفسه من حيث لا يدري، لا بسبب نقص في علمه أو ضعف في كفاءته، وإنما لأنه لم يعرف متى يتكلم، وكيف يجلس، وأين يضع يديه، وما الذي يليق بالمقام الذي يوجد فيه!
ولعل مشهد من يضع رجلًا فوق رجل في مجلس رسمي، دون مراعاة لطبيعة المكان أو لمقتضياته، يصلح مثالًا على ذلك؛ فالمسألة ليست في هيئة الجلوس ذاتها، فهي قد تكون عادية ومقبولة في مواضع كثيرة، وإنما في مدى ملاءمتها للسياق الذي تجري فيه، ولما يقتضيه من احترام وتوقير.
إن الهيبة لا تُفرض بالصوت المرتفع، ولا تُصان بالمظاهر وحدها، وإنما يحفظها حسن السلوك، ويعززها احترام الآخرين، وتكتمل بالرقي في التعامل. وليس التواضع انتقاصًا من الذات، كما أن احترام المقامات لا يعني التملق أو التنازل عن الكرامة؛ بل هو وعي ناضج يميز بين الحرية والفوضى، وبين العفوية وسوء التقدير، وبين الثقة بالنفس والتعالي على أصول التعامل.
وخلاصة القول: إن من أراد أن يحفظ مكانته بين الناس، فليتعلم قبل كل شيء أدب المجالس، وليعرف لكل مقام حقه، وليجعل من احترام الآخرين عنوانًا لشخصيته، لا سلوكًا مؤقتًا تفرضه الظروف.
فقد ينسى الناس كثيرًا مما نقول، وقد تختلف آراؤهم فيما ننجز، لكنهم نادرًا ما ينسون الطريقة التي عاملناهم بها، والمواقف التي كشفنا فيها عن حقيقة تربيتنا ووعينا.
فلكل مجلس أدبه، ولكل مقام هيبته، ولكل إنسان مكانته التي يصونها بحسن خلقه قبل كل شيء.



