خطاب افتتاح البرلمان 2026: من الاعتزاز بالوطن إلى مسؤولية الإنجاز

ألمانيا-منير لكماني
تكتسب الوطنية معناها عندما يتحول الاعتزاز بالمغرب إلى عمل يوسع فرص أبنائه، ويقرب الخدمات من مواطنيه، ويصون استقلال قراره. بهذه البوصلة، رسم جلالة الملك محمد السادس، في خطاب افتتاح الولاية التشريعية الجديدة، يوم 9 أكتوبر 2026، معالم مرحلة تتكامل فيها قوة الاقتصاد مع العدالة الاجتماعية والمجالية.
ويضع الخطاب المؤسسات أمام اختبار واضح: اغتنام الفرص المتاحة، وتسريع الإصلاحات، وتحويل الطموح الوطني إلى نتائج ملموسة. ومن هنا، تتحدد قيمة الاستجابة بقدرة الحكومة والبرلمان والجهات والقطاع الخاص على ترجمة التوجيهات إلى التزامات قابلة للتنفيذ والتتبع والمساءلة.
- الاعتزاز بالمغرب… الانتماء باعتباره مسؤولية
«هو الحافز الذي يحول الانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني.»
يربط الخطاب الاعتزاز بالهوية الدينية والحضارية للمغرب، وبغنى مكوناته ومكتسباته، بواجب مواصلة البناء. فالانتماء يمنح المسؤولية معناها الأخلاقي، ويجعل خدمة المواطنين امتدادا لخدمة الوطن.
والاقتداء بهذا التوجه يبدأ من النزاهة، واحترام الوقت، وإتقان العمل، والإنصاف في تدبير الشأن العام. كما يقتضي الاعتراف بالاختلالات ومعالجتها؛ إذ تقوى الثقة حين يجد المواطن إدارة تستمع إليه، ومسؤولا يشرح قراراته، ومؤسسات تصون حقوقه. بذلك يصبح الاعتزاز سلوكا يوميا يختبره الناس في علاقتهم بالمرفق العمومي.
- السيادة الاقتصادية… الاستعداد للمستقبل وحماية الضروريات
«يتعين إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى.»
تجمع الأولويات الملكية بين الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. وهذا الترابط يكشف أن قوة المغرب تتأسس على تأمين حاجاته الحيوية، وتنمية قدرته على الإنتاج والابتكار، والاستعداد للتحولات العالمية.
ويقتضي تنزيل هذا التوجه خططا منسجمة، بتمويل محدد وآجال معلنة، لتطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين التوريد. كما ينبغي توجيه الاستثمار نحو أنشطة توسع الإنتاج والتصدير والتشغيل، وتربط البحث والتكوين بحاجات الاقتصاد.
أما القطاع الخاص، فمدعو إلى تحمل مسؤولية أوسع في التحول التنموي. ويمكن تتبع مساهمته بحجم الاستثمار المنجز، وفرص الشغل المستقرة، وقيمة الابتكار، ومدى استفادة الجهات من المشاريع.
- الشباب… استعادة الثقة عبر تكافؤ الفرص
«وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية.»
يحضر الشباب في الخطاب ضمن مسار متكامل يصل التعليم بالتأهيل والإدماج الاقتصادي. فالثقة في المستقبل تنمو عندما يرى الشاب أن اجتهاده يفتح له طريقا للارتقاء، وأن الفرص متاحة وفق الكفاءة والاستحقاق.
ومن مقتضيات هذا التوجه تحسين جودة التعلم، وتقوية التوجيه والتكوين، وتيسير الانتقال إلى العمل، ومواكبة المبادرات المهنية. ويستحق شباب المناطق الأقل استفادة عناية خاصة حتى تصبح العدالة المجالية واقعا في توزيع الفرص.
ويجب أن تقاس البرامج بأثرها في الاندماج والاستقرار المهني. فعدد المستفيدين مؤشر أولي، تكتمل دلالته بمعرفة من وجد عملا، ومن استمر فيه، ومن تحسنت ظروفه.
- الجهوية واللاتمركز… تقريب القرار من المواطن
«لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل.»
هذه العبارة تمنح الإصلاح الترابي صفة الاستعجال. فقد ربط الخطاب تحسين الخدمات وتحفيز الاستثمار بالعمل الميداني، وبمعرفة المشاكل الفعلية لكل منطقة وإيجاد حلول واقعية لها.
وتقتضي الاستجابة التمييز بين تقوية الجهات المنتخبة، ضمن اللامركزية، ونقل صلاحيات الإدارة المركزية إلى مصالحها الترابية، ضمن اللاتمركز. ويتكامل المساران حين تتضح الاختصاصات، وتتوافر الموارد البشرية والمالية، وتنتظم العلاقة بين الدولة والجهات بالتنسيق والتعاقد.
والمطلوب تحويل هذا التوجه إلى برنامج تنفيذي يحدد الصلاحيات المنقولة، والموارد المواكبة، والمسؤولين والآجال. ويتيح نشر تقارير دورية معرفة أسباب التعثر ومساءلة الجهات المعنية. فنجاح الإصلاح يظهر في سرعة القرار، وجودة الخدمة، وقدرة المشاريع على معالجة حاجات السكان.
- الشراكة الدولية… الثقة المتبادلة وصيانة القرار السيادي
«الشراكة هي اختيار سيادي، والتزام إرادي.»
يؤكد الخطاب أن موثوقية المغرب تقوم على الوفاء بالتزاماته، وعلى انتظار المعاملة نفسها من شركائه. وفي تناوله للهجرة والعلاقة مع إسبانيا، يدعو إلى تجاوز نموذج تعاون يرى أنه أصبح عاجزا عن مواكبة التحديات.
وتفتح الوثيقة الاستراتيجية المزمع تقديمها للشركاء أفقا لربط التعاون بالتنمية المشتركة والتنافسية والاستقرار. ويقتضي هذا المسار حوارا عمليا يوضح المسؤوليات، ويواجه الشبكات الإجرامية، ويستحضر حماية القاصرين وضمانات النظر في طلبات اللجوء. فالاستقرار المشترك يتعزز بتوازن الالتزامات واحترام السيادة.
- البرلمان… التمثيل باعتباره تعاقدا أخلاقيا
«الانتداب البرلماني هو التزام سياسي، وتعاقد أخلاقي.»
تمنح هذه العبارة العمل البرلماني معيارا يتجاوز الفوز بالمقعد إلى الوفاء بثقة المواطنين. وتظهر الاستجابة في تشريع يزيل العوائق، ورقابة تكشف التعثر، وتقييم يربط الإنفاق العمومي بأثره الاجتماعي.
ومن مسؤولية البرلمان تتبع الأولويات الواردة في الخطاب، ومساءلة الحكومة عن تقدمها، وفحص توزيع الموارد بين الجهات. كما ينبغي أن ينتظم تواصل النواب مع المواطنين، وأن تستند مناقشاتهم إلى معطيات ميدانية. فالثقة تتجدد عندما يشعر المواطن أن صوته حاضر في القرار وأن مطالبه تجد طريقا إلى المعالجة.
الوفاء بالتوجيهات يبدأ من وقعها في حياة الناس
يستخلص من الخطاب منهج يجمع وضوح الرؤية، وشجاعة تشخيص الاختلالات، واحترام الالتزامات، والعمل القريب من المواطن. والاقتداء به يقتضي أن يعرف كل مسؤول ما يجب إنجازه، ومتى، وبأي موارد، وكيف سيقدم حسابا عن النتائج.
هناك، في مدرسة تمنح فرصة، وإدارة تختصر الانتظار، وعمل يصون الكرامة، وجهة تملك وسائل النهوض، تتجسد قيمة التوجيهات الملكية. ويبلغ الاعتزاز بالمغرب أعمق معانيه حين يجد كل مواطن نصيبه من تقدمه؛ فيصبح الوطن الذي نفخر به وطنا نشارك في بنائه.



