الرباط تطلق «دار عوالم الكتاب»..مشروع ثقافي برؤية كونية ينطلق من إفريقيا نحو العالم

الحدث الإفريقي – الرباط
تطمح «دار عوالم الكتاب»، التي أُعلن عن إطلاق أنشطتها اليوم الجمعة بأكاديمية المملكة المغربية بالرباط، إلى أن تصبح مكتبة مرجعية ذات امتداد عالمي، وفضاءً مفتوحاً أمام الأجيال الحالية والقادمة للتفاعل مع مختلف الآداب واللغات والتجارب الحضارية، بما يعزز مكانة العاصمة المغربية جسراً للحوار الثقافي والفكري بين القارات.
وأكد أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، عبد الجليل لحجمري، خلال حفل إطلاق أنشطة هذه المؤسسة الثقافية الجديدة، أن المشروع يتجاوز مفهوم المكتبة التقليدية، ليراهن على بناء فضاء متكامل للإبداع ونقل المعرفة والترجمة والبحث والحوار، من خلال تنظيم إقامات للكتاب والباحثين، ولقاءات وندوات وقراءات أدبية وجلسات فكرية تتيح تداول الأعمال والأفكار وتوسيع آفاق التفاعل بين الثقافات.
وأوضح لحجمري أن «دار عوالم الكتاب» تسعى إلى تثمين تنوع الإنتاجات الأدبية والسرديات الحضارية واللغات، وإرساء حوار بين مختلف أشكال الكتابة والتعبير، بما يكشف عن غنى التجربة الإنسانية وتعدد روافدها الثقافية والفكرية.
54 كتاباً مرجعياً تفتح نافذة على الأدب الإفريقي
وشكل الكشف عن 54 كتاباً مرجعياً تمثل 54 بلداً إفريقياً إحدى أبرز محطات حفل الإطلاق، في مبادرة تندرج ضمن عمل أطلقته أكاديمية المملكة المغربية، بمساهمة جامعيين وباحثين ومتخصصين أفارقة، في إطار الأبحاث المتعلقة بروائع الأدب الإفريقي وأدب المهجر.
وأكد لحجمري أن هذه المؤلفات لا تمثل حصيلة نهائية، بل تشكل نقطة انطلاق لمشروع ثقافي متجدد، يروم بناء رصيد معرفي متنامٍ يستوعب الأعمال الأدبية والأبحاث والترجمات والاكتشافات الجديدة، مع الانفتاح على هبات الكتاب والباحثين والعائلات والمؤسسات والقراء الراغبين في الإسهام في إغناء المكتبة.
وشدد على أن انطلاق المشروع من إفريقيا لا يعني انحصاره في جغرافيتها، بل يعكس توجهاً نحو تأسيس مكتبة كونية متعددة الروافد، تساهم فيها مختلف القارات، بعيداً عن التصورات التي تجعل من مركز ثقافي واحد مرجعاً حصرياً لتحديد ما هو كوني في الأدب والفكر والمعرفة.
فضاء للحوار بين اللغات والمخيال الإنساني
من جانبها، أبرزت الجامعية والكاتبة والناشرة ربيعة محروش أن «دار عوالم الكتاب» تراهن على تجاوز مجرد التعريف بالثقافات والمؤلفات، نحو تهيئة شروط حوار حقيقي تتفاعل فيه اللغات والتقاليد والمخيلات، بما يسمح ببروز أشكال جديدة من الإبداع والإنتاج الفكري.
واعتبرت أن الرباط توفر بيئة ملائمة لاحتضان هذا المشروع وتعزيز امتداده الدولي، عبر تشجيع التبادل بين المبدعين من مختلف أنحاء العالم، وتقوية الروابط بين المؤسسات الثقافية والجمهور في المغرب وإفريقيا.
ويكتسي إطلاق هذه المبادرة أهمية خاصة في سياق اختيار منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» الرباط عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026، وهو ما يعزز طموح العاصمة إلى ترسيخ موقعها منصةً دولية لتداول المعرفة وتشجيع القراءة والإبداع والتفاعل بين الثقافات.
واستعرضت محروش المحاور الأربعة الأساسية للمشروع، الذي يستهدف تعزيز الإشعاع الثقافي للمملكة، من خلال جعل الرباط فضاءً حيوياً للقاء المبدعين وتبادل الأعمال الأدبية والنصوص والأفكار، وتوسيع جسور التواصل بين اللغات والتقاليد الثقافية المختلفة.
جغرافيا ثقافية جديدة تمتد عبر الرباط
ولا يقتصر المشروع على إحداث مكتبة مرجعية، بل يتطلع إلى التأسيس التدريجي لجغرافيا ثقافية متكاملة تجمع بين فضاءات الإبداع ونقل المعرفة واللقاءات الفكرية، مع توجه نحو امتداد أنشطته إلى عدد من أحياء العاصمة، ولاسيما الأوداية والمحيط.
كما يتضمن إحداث إقامة للكتاب تستقبل مؤلفين مغاربة وأجانب، بهدف توفير ظروف ملائمة للإبداع الأدبي، وتشجيع التبادل الثقافي والترجمة، باعتبارها أداة أساسية للتقريب بين اللغات وتوسيع فرص التواصل بين المجتمعات.
وشهد حفل الإطلاق حضور شخصيات بارزة من عالم الأدب والفكر والثقافة، من بينها الحائزان جائزة نوبل للآداب وولي سوينكا وجان ماري غوستاف لو كليزيو، والحائز جائزة نوبل للسلام ميشيل بوكو، إلى جانب دافيد ديوب، الفائز بجائزة بوكر الدولية، وعدد من الشخصيات المغربية والفاعلين الثقافيين القادمين من مختلف أنحاء العالم.
رؤية الحدث : لا تكمن أهمية «دار عوالم الكتاب» في تأسيس مكتبة جديدة فحسب، بل في الرهان على صياغة نموذج ثقافي يجعل من المغرب فضاءً لإنتاج المعرفة وتبادلها، ومن الرباط نقطة التقاء بين الآداب الإفريقية والتجارب الإنسانية العالمية. وبين الاحتفاء بالتعدد اللغوي والحضاري وتجاوز مركزية الثقافة الواحدة، يطرح المشروع تصوراً للكونية بوصفها ثمرة مساهمة جماعية، تتكامل فيها الثقافات بدل أن تتنافس على احتكار المعنى.



