
ألمانيا-منير لكماني
أول اختبار للحكومة المغربية الجديدة قد يبدأ من داخلها، قبل أن تصل إليها سهام المعارضة. فالفريق الذي يجمع السياسي المتمرس، والتكنوقراط المتخصص، والوافد الذي لم تصقله التجربة الحزبية، يحتاج إلى أكثر من توزيع الحقائب كي يصبح حكومة متماسكة. وأمام معارضة قوية ومحنكة، قد يتحول هذا التفاوت إلى نقطة ضعف تكشفها أول مواجهة جدية.
المشكلة ليست في اختلاف المسارات، وإنما في غياب الرؤية التي توحدها. فالسياسي يحسب أثر القرار على حزبه وناخبيه، والتكنوقراط ينشغل بشروط التنفيذ ومؤشرات النجاعة، بينما قد يبحث القادم بالمظلة الحزبية عن تثبيت موقعه قبل استيعاب مسؤولياته. وإذا غابت القيادة القادرة على ضبط هذه الحسابات، أصبحت الحكومة مجموعة وزارات تتجاور أكثر مما تتعاون.
هنا تتقدم أولى العراقل: صعوبة تحويل الاتفاق على المشاركة إلى اتفاق على الحكم. فالتوافق الذي يسمح بتوزيع المناصب لا يكفي لحسم خلاف حول إصلاح مكلف، أو قرار يمس القدرة الشرائية، أو ميزانية تفرض الاختيار بين مطالب متنافسة. وعندما تبدأ الكلفة السياسية في الارتفاع، قد يسعى كل طرف إلى حماية صورته وإبعاد المسؤولية عنه.
ستجد المعارضة في هذه الشقوق مجالا أوسع من مجرد الاعتراض على البرنامج. فاختلاف تصريحات الوزراء، وتأخر قرار مشترك، وتبادل المسؤولية بين القطاعات، يمكن أن يتحول إلى مادة متواصلة للمساءلة. وأخطر ما قد تواجهه الحكومة أن تضطر إلى تفسير تناقضاتها كل أسبوع، بينما يتراجع الوقت المتاح للدفاع عن اختياراتها وتنفيذ التزاماتها.
المواجهة ستكون أشد حساسية أمام معارضين خبروا تدبير الوزارات ويعرفون ما تختبئ خلفه اللغة الإدارية. هؤلاء يستطيعون الانتقال من السؤال العام إلى الملف المحدد، ومن الوعد إلى الاعتماد المالي، ومن الإعلان إلى حصيلة التنفيذ. وسيكون الوزير محدود التجربة السياسية أكثر انكشافا إذا دخل البرلمان معتقدا أن عرض الأرقام يغنيه عن امتلاك الحجة وحسن التقدير.
وقد يصبح البرلمان ساحة مواجهة حادة، تتجاوز الجلسات العامة إلى اللجان ومناقشة الميزانية وتقييم السياسات. فالمعارضة المحنكة تستطيع تتبع الملف نفسه، وتجميع التعثرات، وربطها بما يعيشه المواطن. وعندئذ قد تتحول هفوة وزير إلى أزمة حكومية، خاصة إذا واجهها زملاؤه بالصمت، أو حاول حزبه تقديمها باعتبارها خطأ فرديا لا يتحمل تبعاته الآخرون.
وتزداد الصعوبة لأن الحكومة لا تبدأ في فراغ اجتماعي. فانتظارات الأسر، وضغط الأسعار، ومطالب التشغيل، وأوضاع المدرسة والمستشفى، تضعها أمام استعجال يصعب تدبيره بإيقاع المشاورات الحزبية. المواطن الذي ينتظر علاجا أو عملا لن يمنح الخلافات الداخلية قيمة تفسيرية. وكل تأخير في معالجة حاجته قد يمنح الخطاب المعارض صدقية أكبر، مهما كانت دوافع أصحابه. وتضاف إلى ذلك مقاومة المصالح المتضررة من الإصلاح، وثقل المساطر، وتفاوت الإمكانات بين الجهات؛ وهي عوائق قد تجعل التعهدات تصطدم بواقع أبطأ كثيرا من إيقاع الانتظارات الشعبية.
أما الثقافة السياسية، فسيظهر وزنها عندما تضطر الحكومة إلى اتخاذ قرارات غير شعبية. فالوزير الذي لم يتعلم الإنصات والتفاوض وقراءة المجتمع قد يتعامل مع الاعتراض باعتباره سوء فهم أو مقاومة للتغيير. وقد تزيد عباراته الأزمة اشتعالا، فتجد الحكومة نفسها تدافع عن تصريح مستفز، عوض أن تناقش إصلاحا كان يحتاج إلى التدرج والإقناع.
الأخطر أن تنتقل عدوى المعارضة إلى داخل الأغلبية نفسها. فحين يشعر حزب بأن استمرار التضامن يهدد رصيده، قد يبدأ بالنقد المتحفظ، ثم التمايز العلني، ثم التنصل من بعض القرارات. هناك يصبح الخطر على الحكومة سياسيا قبل أن يصير برلمانيا؛ إذ تستطيع معارضة قوية استثمار حلفاء مترددين أكثر مما تستطيع إسقاط أغلبية متماسكة.
لذلك، ستحتاج الحكومة إلى قيادة تحسم الخلاف قبل خروجه إلى العلن، وتمنع تحويل القطاعات إلى جزر حزبية، وتحمل الوزراء مسؤولية مشتركة عن النتائج. كما تحتاج إلى حماية القرار من الارتجال، وإلى كفاءات تسند من تنقصهم التجربة. وأي إنجاز اجتماعي ملموس سيمنحها قدرة على الصمود تفوق ما تمنحه معارك الرد والتبرير.
مصير الحكومة لن تحسمه شراسة المعارضة وحدها، بل قدرتها على منع تنافرها الداخلي من التحول إلى عجز عن الحكم. قد تصمد إذا صنعت من اختلاف أعضائها تكاملا، وقد تستنزف سريعا إذا اكتفت بتأجيل خلافاتهم. فالمعارضة ستضغط حيث تجد الضعف، والمواطن سيحكم بما يراه؛ وبين الاثنين، لن يكفي أن تجتمع الحكومة حول طاولة واحدة.



