أخبارالرئيسيةعين العقل

حين تصبح الغاية تبرّر الوسيلة..وتسقط المبادئ عند أبواب الوزارة

بقلم الاستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي

كان يحلم بأن يتبوأ مقعدًا وزاريًا، وأن يحمل بين يديه الأختام التي تمنح صاحبها سلطة القرار ونفوذ المنصب. ولأجل هذا الحلم، بدا مستعدًا لأن يطوي صفحة من مواقفه السابقة، وأن يتنازل عن مبادئ طالما تشدّق بها، بل وأن يمدّ جسور الود والولاء إلى من كان بالأمس يقف في وجههم، ويكيل لهم الاتهامات، ويصفهم بالفساد، وينعتهم بأنهم لا يفقهون شيئًا في تدبير الشأن العام.
لكن السياسة، في نظره، كانت تقتضي أحيانًا التضحية بالمواقف، ما دامت الغاية تبرّر الوسيلة، وما دام كرسي الوزارة يستحق، في حساباته، أن تُدفع لأجله أثمان المبادئ والمواقف.
ولكي يمنح تحوّله غطاءً من المشروعية، استحضر مثالًا تاريخيًا، مستشهدًا بأناس كانوا في بداية الدعوة الإسلامية على خلاف مع رسول الله ﷺ، وعارضوا رسالته، ثم عادوا إلى الإسلام، وآمنوا به، وأعلنوا ولاءهم له. غير أنه نسي، أو تناسى، أن الفرق شاسع بين توبة صادقة يقتضيها الاقتناع بالحقيقة، وبين تبديل المواقف الذي تمليه شهية المناصب وإغراءات السلطة؛ فشتّان بين من يغيّر موقفه عن إيمان، ومن يغيّره طمعًا في امتياز.

كان يريد أن يمسك بالأختام، وأن يجد لنفسه موطئ قدم داخل الحكومة، لكنه كان يدرك، في قرارة نفسه، أن من غادر مواقع النفوذ قد لا يجد الطريق إليها مفروشًا بالورود من جديد. ولأن العودة بدت له محفوفة بالعقبات، قرّر أن يهيّئ الطريق لمن يخلفه، وأن يدفع بقطعته إلى رقعة الشطرنج السياسي، لعلّها تنجح فيما تعذّر عليه، وتفتح له من الأبواب ما عجز عن فتحه بنفسه.
غير أن الحسابات لم تجرِ كما اشتهى، ولم تفتح الأبواب على النحو الذي رسمه في مخيلته. فظلّ كرسي الوزارة بعيد المنال، وبقي الحلم معلّقًا على خيط من الانتظار، بينما كانت خيبة الأمل تزداد ثقلاً كلما رأى غيره يقطف ثمارًا طالما ظنّ أنها ستؤول إليه.
وكان أشدّ ما أثار أسفه أن يرى رفيق دربه، وشريكه في الكثلة ، يظفر بحقيبة وزارية وازنة، ويحظى بالثقة السامية التي فتحت أمامه أبواب المسؤولية. عندها لم تكن المسألة مجرّد اختلاف في الحظوظ، بل بدت وكأنها مقارنة صامتة بين من انتظر طويلًا، ومن وصل إلى حيث كان الآخر يتمنى أن يكون.
ومع ذلك، لم تنطفئ جذوة الأمل في نفسه تمامًا؛ فما زال يراهن على القادم من الحكومات، وكأن الوزارة موعد مؤجّل لا حلم انتهى، وكأن ما لم يتحقق اليوم قد يتحقق غدًا، إذا تبدّلت موازين السياسة، وتغيّرت الحسابات، ووجد لنفسه منفذًا جديدًا إلى دائرة القرار.
وهكذا، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل كانت المبادئ يومًا قناعة راسخة لا تتزعزع، أم أنها لم تكن سوى أوراق قابلة للمساومة كلما لاح في الأفق بريق منصب؟
ففي السياسة، قد تتبدّل المواقع، وتتغيّر التحالفات، وتتقاطع المصالح، لكن الذاكرة لا تنسى بسهولة ما قيل بالأمس، ولا كيف انقلبت المواقف حين أصبح الكرسي أقرب من المبادئ.
فليس كل من غيّر موقفه قد نضج، وليس كل من اقترب من السلطة قد انتصر؛ فثمة انتصارات ظاهرها المجد، وباطنها هزيمة المبادئ أمام إغراء المناصب

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button