
إن تشكيل حكومة من 31 وزيرا يفرض طرح سؤال أساسي ومحوري حول مبررات هذا العدد الحكومي، ومدى تناسبه مع حاجيات البلاد وإمكاناتها وأولوياتها. فكل حقيبة وزارية ينبغي أن تكون لها وظيفة واضحة، واختصاصات محددة وأهداف قابلة للقياس، لا أن تتحول إلى مجرد موقع سياسي لتدبير التوازنات داخل الأغلبية.
صحيح أن تعدد القطاعات وتشعب الملفات قد يبرران وجود قطاعات وزارية متخصصة، لكن التخصص لا يعني بالضرورة تضخم الحكومة، كما أن تعدد المسؤولين لا يضمن جودة القرارات ولا سرعة تنفيذها، فقد تتحول كثرة الحقائب، في غياب التنسيق الفعال، إلى مصدر لتداخل الاختصاصات وتشتت المسؤولية، حيث تتعدد الجهات المشرفة على الملفات، في حين سيبقى المواطن عاجزا عن تحديد المسؤول الحقيقي عن التعثر والفشل في تنفيذ البرامج والالتزامات وإيجاد حلول للمشاكل.
وهنا يمكن طرح سؤال جوهري مرتبط باقتراح الوزراء، هل الاقتراح كان بناء على الكفاءة والخبرة والقدرة على الإنجاز، أم أن التوازنات الحزبية اقتضت توسيع دائرة الاستوزار؟
إن المواطن المغربي اليوم، وفي ظل ما يعيشه، لا يحتاج إلى حكومة كبيرة في عدد أعضائها، بقدر ما هو بأمس الحاجة إلى حكومة كبيرة في نتائجها. فالشباب العاطل عن العمل لا تعنيه كثرة الوزراء بقدر ما يعنيه وجود سياسة اقتصادية قادرة على فتح أبواب الشغل أمامه، والخريج الذي ينتظر فرصة للإدماج لا يبحث عن تعدد القطاعات الحكومية، بل عن آليات فعالة تربط التكوين بسوق العمل. أما الأسر التي تستنزف تكاليف المعيشة جزء كبيرا من مداخيلها، فلا تنتظر خطابات عن الإصلاح بقدر ما تنتظر إجراءات تخفف عنها ضغط الأسعار، وتحمي قدرتها الشرائية، وتضمن لها خدمات صحية وتعليمية في مستوى تطلعاتها.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حكومة هو اتساع المسافة بين الوعود الانتخابية والواقع الاجتماعي، فحين تتكرر الشعارات حول العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، بينما تعيش فئات واسعة في مواجهة الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي، تتحول السياسة من أداة للتغيير إلى مصدر إضافي للشك وفقدان الثقة. ولهذا، يبقى معيار النجاح لا يكمن أساسا في عدد البرامج التي تعلنها الحكومة، ولا عدد الاجتماعات التي تعقدها، بل في عدد فرص الشغل التي تخلقها فعليا ومدى قدرتها على الحد من الفقر والهشاشة، وتحسين جودة المدرسة والمستشفى، وتقليص الفوارق بين المدن والقرى وبين المركز والهامش.
إن حكومة تضم 31 وزيرا، ليست في حد ذاتها دليلا على الفشل، مثلما أن الحكومة المصغرة ليست بالضرورة عنوانا للنجاح، لكن في بلد يواجه تحديات البطالة والفقر والهشاشة والتفاوتات المجالية، يصبح من المشروع المطالبة بتبرير حجم الحكومة، وقياس مردوديتها، ومحاسبة أعضائها على النتائج.
فالمغاربة لا يحتاجون إلى حكومة كبيرة بعدد وزرائها، بل إلى دولة قوية بعدالة سياساتها، ونجاعة مؤسساتها، وقدرتها على ضمان الكرامة وتكافؤ الفرص، فمغرب السرعة الواحدة لن تصنعه هندسة الحكومة ولا بلاغات تشكيلها، بل تصنعه النتائج التي يلمسها المواطن في حياته اليومية.



