
تقرير خاص| الحدث الإفريقي | الأحد 18 أكتوبر 2026
شهدت عدة دول أوروبية، أمس السبت (17 أكتوبر الجاري)، موجة احتجاجات اجتماعية على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، تصدرتها فرنسا التي عرفت مظاهرات واسعة في عدد من المدن، تخللتها مواجهات وأعمال تخريب واعتقالات واسعة، قبل أن تسجل إسبانيا و بلجيكا وإيطاليا والبرتغال تحركات احتجاجية على خلفيات تتقاطع حول غلاء المعيشة وأزمة السكن وكلفة التعليم وتراجع جودة الخدمات العامة.
وتكشف هذه التحركات عن اتساع الضغوط الاجتماعية التي تواجه الحكومات الأوروبية، في وقت لم تعد فيه مطالب المحتجين مقتصرة على الأجور والأسعار، بل امتدت إلى السكن والحماية الاجتماعية وتمويل المرافق العمومية والقدرة على ضمان مستوى معيشي لائق، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب والطلاب والأسر محدودة الدخل.
فرنسا.. بؤرة الاحتجاجات
عرفت فرنسا، أمس السبت، مظاهرات واسعة شارك فيها طلاب وعمال ونقابيون ومتقاعدون ومزارعون ومواطنون متضررون من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، في تحركات استحضرت أجواء احتجاجات «السترات الصفراء» التي شهدتها البلاد سنة 2018.
وأفادت وكالة أسوشيتد برس بأن وزارة الداخلية الفرنسية أحصت نحو 550 ألف مشارك في 110 مسيرات بمختلف أنحاء البلاد، بينما رفعت الجهات المنظمة تقديراتها إلى حوالي 800 ألف مشارك، وهو تفاوت يعكس اختلاف طرق احتساب أعداد المتظاهرين.
وشملت الاحتجاجات باريس وليون ومرسيليا وبوردو وليل ومدناً أخرى، فيما سجلت بعض المناطق مواجهات بين مجموعات من المتظاهرين وقوات الأمن، استُخدمت خلالها الغازات المسيلة للدموع وخراطيم المياه، كما اندلعت حرائق وتعرضت بعض المحلات والمباني العامة لأضرار.
وأعلنت السلطات توقيف نحو 400 شخص على الصعيد الوطني، وفق حصيلة نقلتها أسوشيتد برس عن وزير الداخلية لوران نونيز. كما فُتح تحقيق بشأن إصابة متظاهر شاب في مدينة سانت إتيان وفقدانه إحدى يديه، وسط تقارير إعلامية ربطت الإصابة بمقذوف أمني، في حين لم تؤكد السلطات هذه الرواية بشكل نهائي.
ولم تقتصر المطالب الفرنسية على خفض الأسعار، إذ دعت النقابات المشاركة إلى تحسين الأجور والمعاشات، وحماية الخدمات العامة، وتوفير شروط أفضل للتعليم، في حين عبّر متظاهرون عن استيائهم من السياسات المالية والاجتماعية التي يرون أنها تثقل كاهل الفئات الأقل دخلاً.
وتأتي هذه التطورات في سياق سياسي حساس، مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي الفرنسي سنة 2027، وما يرافقه من نقاشات حول الموازنة العامة والضرائب والإنفاق الحكومي والقدرة على تمويل الخدمات العمومية.
بلجيكا.. احتجاجات طلابية ومواجهات في بروكسل
في بلجيكا، شهدت العاصمة بروكسل، السبت، مظاهرة شارك فيها مئات الأشخاص، معظمهم من الشباب، تخللتها مواجهات مع الشرطة، في تحركات تأثرت جزئياً بالموجة الاحتجاجية في فرنسا.
وذكرت وكالة رويترز أن مجموعات طلابية بلجيكية تحتج على ارتفاع تكاليف التعليم والإصلاحات التي تخشى أن تجعل الولوج إلى التعليم العالي أكثر صعوبة. واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، بعدما شهدت المواجهات أعمالاً تخريبية، من بينها قلب سيارة. كما سُجلت احتجاجات في مدينة لييج شرقي البلاد.
وتبرز الحالة البلجيكية كيف يمكن أن يتحول الضغط المرتبط بكلفة التعليم والسكن إلى جزء من نقاش اجتماعي أوسع بشأن تكافؤ الفرص والإنفاق العام، خاصة في أوساط الشباب الذين يواجهون صعوبات في تمويل الدراسة والاستقلال المادي.
إيطاليا.. صدامات في ميلانو وبولونيا
وشهدت مدينتا ميلانو وبولونيا الإيطاليتان تحركات احتجاجية ضد ارتفاع تكاليف المعيشة، تخللتها مواجهات بين بعض المتظاهرين وقوات الشرطة، بحسب تقارير صحفية دولية.
وأفادت تغطيات إعلامية بأن جزءاً من الاحتجاجات اتسم بالسلمية، بينما شهدت مناطق أخرى رشقاً بالحجارة واشتباكات وتدخلاً أمنياً، مع تسجيل إصابات وتوقيفات وفق ما نقلته وسائل إعلام إيطالية.
وتعكس هذه التحركات تداخل مطالب القدرة الشرائية مع المخاوف المتعلقة بفرص العمل وتكاليف السكن والخدمات، وهي قضايا تضع الحكومات أمام تحدي التوفيق بين الانضباط المالي والاستجابة للضغوط الاجتماعية.
البرتغال.. أزمة السكن في قلب الغضب الاجتماعي
وفي البرتغال، خرج آلاف المحتجين إلى شوارع العاصمة لشبونة، في مظاهرات دعت إليها النقابات، وتركزت مطالبها حول تحسين الأجور والمعاشات، وخفض تكاليف الوقود والمعيشة، ومعالجة أزمة السكن وارتفاع الإيجارات.
وتكتسي أزمة السكن أهمية خاصة في البرتغال، حيث أوردت الجزيرة أن أسعار المنازل تضاعفت أكثر من مرتين منذ سنة 2017، فيما ارتفعت الإيجارات المرتبطة بالعقود الجديدة بصورة كبيرة، ما زاد صعوبة حصول الشباب والعمال على مساكن تتناسب مع دخولهم.
وتظهر هذه المعطيات أن امتلاك دخل قار لا يضمن بالضرورة القدرة على الاستقرار، خصوصاً في المدن الكبرى التي أصبحت فيها كلفة السكن تستنزف حصة متزايدة من مداخيل الأسر.
هل نحن أمام موجة احتجاج أوروبية موحدة؟
رغم تشابه الشعارات وتزامن التحركات، لا تشير المعطيات المتاحة إلى وجود قيادة موحدة أو تنظيم مركزي يجمع الاحتجاجات الأوروبية. فلكل بلد سياقه السياسي والاجتماعي، غير أن قضايا القدرة الشرائية والسكن والتعليم والخدمات العامة تشكل قاسماً مشتركاً بين المتظاهرين.
وترى تحليلات نقلتها الجزيرة أن الاحتجاجات قد تجد صدى في دول أوروبية أخرى، بينها اليونان وألمانيا والنمسا، مع استمرار التعبئة الطلابية والاجتماعية. لكن اتساع رقعة التحركات لا يعني بالضرورة أنها ستتحول إلى حركة قارية موحدة أو أنها ستفضي تلقائياً إلى تغييرات حكومية.
رؤية الحدث الافريقي: حين تصبح كلفة الحياة اختباراً للسياسات العامة
تكشف الاحتجاجات الأخيرة عن فجوة متنامية بين المؤشرات الاقتصادية العامة وبين شعور قطاعات من المواطنين بقدرتهم الفعلية على تلبية احتياجاتهم الأساسية. فالمعيار الذي يحكم الحياة اليومية ليس معدل النمو وحده، بل ما يتبقى من دخل الأسرة بعد أداء الإيجار والفواتير وشراء الغذاء وتمويل التعليم والتنقل.
كما تضع هذه التطورات الحكومات أمام معادلة دقيقة: ضبط الإنفاق العام وخفض العجز من جهة، والاستجابة للمطالب الاجتماعية وحماية الفئات الأكثر هشاشة من جهة أخرى. وأي معالجة لا تأخذ في الاعتبار أزمة السكن والأجور وجودة الخدمات قد تبقى محدودة الأثر في تهدئة الاحتقان.
أما سياسياً، فإن عودة رموز احتجاجية مثل «السترات الصفراء» إلى الشارع الفرنسي، وتفاعل الطلاب والنقابات مع قضايا المعيشة في دول أخرى، يعيدان توزيع الاهتمام العام حول العدالة الاجتماعية وحدود السياسات التقشفية، من دون أن يحسما مسبقاً اتجاهات المشهد الانتخابي المقبل.
الخلاصة: ما شهدته أوروبا يوم 17 أكتوبر ليس مجرد احتجاج على الأسعار، بل تعبير عن مطالب متشابكة تتعلق بالدخل والسكن والتعليم والخدمات العامة. وستتوقف التداعيات المقبلة على مدى قدرة الحكومات على تقديم استجابات ملموسة، وعلى قدرة الحركات الاحتجاجية على الحفاظ على زخمها وتحويل مطالبها إلى برامج واضحة.
المصادر الأساسية: وكالة أسوشيتد برس، رويترز، الجزيرة، ووكالة الأنباء الأوروبية EFE. الصور التوضيحية أعلاه مرتبطة ببحث بصري عن أحداث وتغطيات الفترة المذكورة.IA



