أخبارالرئيسيةفي الصميم

في مفترق الطرق..التحولات الجارفة في الإعلام

بقلم: عبد السلام الزروالي الحايكي

تسارع رهان التحولات التقنية على نحو غير مسبوق، وتشابك خيوط المعلومة مع خوارزميات الذكاء الاصطناعي، يضعان الصحافة أمام منعطف حاسم. خياران لا ثالث لهما: التمسك بالجذور والقيم المهنية ودمج التقنية في صميم العمل بوعي ومسؤولية، أو ترك زمام المبادرة للخوارزميات والانزلاق نحو فقدان الهوية.

ومنذ نشأتها، كانت الصحافة مرآة للمجتمعات وذاكرة للأمم، غير أن هذا الدور مهدّد بالتآكل ما لم يُعاد تعريفه في سياق الثورة الرقمية.

لم تعد الصحافة قادرة على العمل بالوتيرة التقليدية التي عرفها القرن الماضي، فالمشهد الإعلامي أعيد تشكيله بالكامل. المنافسون الجدد ليسوا فقط القنوات الفضائية أو الصحافة الإلكترونية، بل أيضًا منصات التواصل الاجتماعي والبودكاست، والذكاء الاصطناعي الذي بات قادرًا على إنتاج المحتوى بسرعة ودقة.

ومع ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي النظر إليه كخصم، بل كشريك محتمل يعزز كفاءة العمل الصحفي: من جمع الأخبار والتحقق منها، إلى تحليل البيانات الضخمة، وترجمة النصوص، وإنتاج مواد مساندة، وتدقيق لغوي فائق الدقة.

التحدي الجوهري أمام الصحافة المكتوبة اليوم هو الحفاظ على مصداقيتها وهويتها الثقافية، بالتوازي مع مواكبة الأدوات الرقمية الحديثة. وهذا يفرض إعادة هيكلة غرف الأخبار، وتكوين الصحفيين على مهارات التعامل مع الخوارزميات وأدوات الذكاء الاصطناعي، مع وضع أطر أخلاقية تضمن أن تبقى التقنية في خدمة الصحافة، لا العكس.

إن المؤسسات القادرة على تحقيق هذا التوازن ستحافظ على مكانتها في السوق الإعلامية، مهما تغيرت وسائط النشر. الصحافة المكتوبة ليست على وشك الزوال الفوري، فهي تختزن رمزية الاستمرارية ووزن المصداقية، وتبقى مرجعًا موثوقًا لفئات واسعة من القراء. غير أن بقاءها مرهون بقدرتها على تجديد ذاتها جذريًا: صياغة محتوى تحليلي معمّق يعجز عن مجاراته تدفق المنصات السريعة، ابتكار نسخ رقمية تفاعلية تثري تجربة المتلقي، وصياغة صلة أوثق مع قارئ يطلب الثقة والجودة قبل السرعة والكم.

إليك صياغة إبداعية وجذّابة للفكرة نفسها، بأسلوب يثير الفضول ويمنح القارئ إحساسًا بأنه أمام أسئلة كبرى لم تُجب بعد:التحول الرقمي ورياح الخوارزميات

لا تزال الصحافة المكتوبة واقفة عند مفترق طرق، تتقاذفها أمواج التحول الرقمي ورياح الخوارزميات العاتية. فهل تمتلك ما يكفي من الصلابة لتنجو من الطوفان الرقمي؟ وكيف يمكن أن يظل الذكاء الاصطناعي خادمًا لقلم الصحفي لا وصيًا على كلماته؟ وهل سيجد القارئ، وسط عاصفة السرعة والمعلومة اللحظية، في الصحافة التقليدية ملاذه للمعرفة الموثوقة؟ ثم ماذا عن الصحافة العالمية، أيمكنها أن تحافظ على روحها الثقافية ورسالتها الإنسانية في عالم بدأت الآلة ترسم خرائطه وتكتب أخباره؟خلال العشرية الأخيرة من بداية الألفية الثالثة، صار الحديث عن الإعلام الجديد سبة في جبين منظومة القيم وأخلاقياتها. وتأكد بالملموس كيف تتهافت قشور الفهم وغفائل العقول على المحتوى الفجائعي، وكيف تثرى النواقص المعتوهة، في بدن المجتمع، دون أن يحدث ذلك حلحلة أو خلخلة، ناهيك عن انعدام القدرة على تحديد أسئلة المشكلات المطروحة، ومدى تعاطينا مع أولويات حصرها وكسرها.

إن مفهوم الإعلام الجديد، من حيث كونه مظهرًا متطورًا في الدراسات الحديثة لعلوم الاتصال، ينحاز عن سوسيولوجيا التحولات المعرفية، من حيث كونها حقلًا تجريبيًا حديث الولادة، وعملية اختراقية يتفاعل مع مكنوناتها المجتمع، وماهية المحركات الرئيسية والمصدرية، سيعمل على إعادة تشكيل الوعي بالمفاهيم الكبرى لقيم الاتصال ووجوب المعرفة به.

كما أنه سينشغل طيلة مقامه، بين كل ما تخطط له سوسيولوجيا الإعلام من دراسة المجتمع وأنماط العلاقات الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي وثقافة الحياة اليومية، إلى استخدام أساليب مختلفة من البحث التجريبي، والتحليل النقدي، لتطوير مجموعة من المعارف حول النظام الاجتماعي والقبول والتغيير أو التطور الاجتماعي.

وهي الأنساق التي أحدثت قطيعة مع الهياكل الاجتماعية لأنماط الحياة والسلوكيات الفردية، ونمت أشكالًا هشة من الأنشطة المكسوة بأثواب شفافة غير مأمونة، وسريعة السقوط.

الإعلام الوطني بكامل تفرعاته يعيش تقنية العولمة. وسائل التواصل الكبرى مؤثرة وصانعة للسياسة. نحن إزاء تحديات كبرى: هناك مناطق معتمة تتمثل أساسًا في زوال الصحافة الورقية وهيمنة الخطابات الاستهلاكية بدل منصات الحوار التي من شأنها أن تعبئ الناس وتخلق فضاءً للحوار الديمقراطي بين مختلف الفاعلين.

يجب أن ننصت إلى السيرورات الاجتماعية والاقتصادية التي تؤدي إلى التحولات الكبرى.

الذي سيحدث هو انقراض حامل للصحافة، أي من الورقي إلى الرقمي.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button