
كلما جبتُ مدينة من مدن إسبانيا او فرنسا وبعض مدن الدول الاوروبية وجمعتني الصدفة أو اللقاء بأبناء جاليتنا المغربية، على اختلاف أعمارهم ومشاربهم وتباين تجاربهم، وجدتني أمام حكاية واحدة تتعدد فصولها، لكنها تلتقي عند نقطة مشتركة: وطنٌ لا يغادر الذاكرة، وأملٌ لا ينطفئ في أن يكون الغد أفضل من الأمس.
هؤلاء الذين اختاروا، أو اضطرتهم ظروف الحياة، إلى الهجرة، لم يقطعوا حبال الود مع وطنهم، ولم يتخلوا عن أحلامهم في رؤيته متقدماً، عادلاً، قادراً على توفير ما ينعمون به في بلدان المهجر من مقومات العيش الكريم. فهم لا ينظرون إلى ما تحقق لهم خارج الحدود باعتباره امتيازاً مستحيلاً في وطنهم، وإنما يرونه حقاً مشروعاً يتطلعون إلى أن يصبح واقعاً في بلادهم، حيث الجذور والذاكرة والانتماء.

في أحاديثهم، تتكرر مطالب تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في دلالاتها: فرص شغل تحفظ كرامة المواطن، ونظام تعويضات يضمن الحماية الاجتماعية عند العجز والشيخوخة، وتغطية صحية تليق بالإنسان، وتعليم جيد ومتاح لأبنائهم، فضلاً عن إدارة أكثر مرونة، ومساطر وإجراءات لا تجعل المواطن في مواجهة متاهات الانتظار وتعقيدات الملفات.
كنت أستمع إليهم بإمعان، وأدون ملاحظاتهم وانشغالاتهم، وكأن كل واحد منهم يريد أن يضع بين يديّ أمانة، أو يحملني رسالة لم تجد بعد طريقها إلى من يملك سلطة القرار.
قال أحدهم، بنبرة اختلط فيها العتاب بالتجربة المريرة:
«تعاقبت الحكومات منذ الاستقلال إلى اليوم، وكنا في كل مرة ننتظر التغيير ونعلق الآمال على الوجوه والبرامج الجديدة، لكن دار لقمان ظلت على حالها، وكأن الزمن يمر والحاجات هي نفسها، والوعود تتغير ألفاظها دون أن تتغير معها حياة الناس».
وأضاف آخر، وكأنه يلخص تجربة جيل بأكمله:
«كلهم يعدون، لكنهم لا يوفون بما وعدوا به. نسمع كلاماً جميلاً أثناء الحملات الانتخابية، وننتظر أن يتحول إلى قرارات وإجراءات، ثم نفاجأ بأن المسافة بين الخطاب والواقع لا تزال طويلة».
أما ثالث، فكان أكثر مرارة وهو يتساءل عن موقع مغاربة العالم في البرامج الحكومية، قائلاً إن حضورهم يكاد يختزل في موسم العطلة الصيفية، حين تتعالى عبارات الترحيب، وتُرفع الشعارات التي تستقبلهم بقولها: «مرحباً بكم في بلادكم»، بينما تظل قضاياهم الاجتماعية والإدارية ومطالبهم المتعلقة بالاستثمار والمواطنة والحماية الاجتماعية في حاجة إلى اهتمام دائم، لا إلى التفاتة موسمية عابرة.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كان المغرب يرحب بأبنائه في الخارج، فهؤلاء لا يحتاجون إلى من يقنعهم بأن الوطن وطنهم، ولا إلى شعارات تؤكد لهم ما يعرفونه بالفطرة؛ وإنما السؤال الحقيقي هو: كيف يمكن أن يتحول هذا الترحيب من خطاب عاطفي إلى سياسة عمومية مستدامة، ومن مناسبة صيفية إلى التزام حكومي يمتد على مدار السنة؟
إن مغاربة العالم ليسوا مجرد عابرين للحدود، ولا أرقاماً تُستحضر عند الحديث عن تحويلات العملة الصعبة، ولا جمهوراً يُستقبل بالورود عند المعابر والمطارات. إنهم مواطنون يحملون معهم صورة وطنهم أينما حلوا، ويسهمون في اقتصاده، ويحافظون على روابط أسرهم، وينقلون إلى أبنائهم شيئاً من لغته وثقافته وذاكرته. ومن حقهم، في المقابل، أن يجدوا مؤسسات تنصت إليهم، وإدارة تصون وقتهم، وقوانين واضحة تحمي مصالحهم، وخدمات تيسر ارتباطهم بوطنهم بدل أن تجعل هذا الارتباط عبئاً من الإجراءات والانتظارات.
ولا يعني ذلك أن نقارن التجربة المغربية بالتجارب الأوروبية مقارنة آلية، أو أن نتجاهل اختلاف الإمكانات والظروف؛ بل إن المقصود هو الاستفادة من الممارسات الناجحة، وتكييفها مع واقعنا الوطني، حتى لا تظل الهجرة عند بعض الأسر الطريق الوحيد إلى العلاج الجيد، أو الحماية الاجتماعية، أو فرص العمل، أو تعليم يفتح آفاق المستقبل أمام الأبناء.
فالأوطان لا تُقاس فقط بما تشيده من طرق وجسور ومرافق، ولا بما تحققه من مؤشرات اقتصادية، وإنما تُقاس أيضاً بمدى شعور مواطنيها بالأمان والإنصاف، وبقدرتهم على العيش بكرامة دون أن يضطروا إلى البحث عن أبسط ضمانات الحياة خارج حدودها.
وبينما كنت أستمع إلى هذه الشهادات، أدركت أن ما يطلبه هؤلاء ليس بالضرورة امتيازات خاصة، ولا معاملة تتجاوز حقوق بقية المواطنين، وإنما هو إنصاف في الاستفادة من الخدمات، وتبسيط للمساطر، ووضوح في الالتزامات، ومحاسبة على الوعود التي تُقطع باسم الإصلاح. إنهم يريدون أن يروا في حكومتهم الجديدة إرادة تتجاوز ما ألفوه من خطابات، وأن يجدوا في برامجها مكاناً واضحاً لقضاياهم، لا هامشاً يضيق كلما ازدحمت الأولويات.
ومن هنا، وجدتني أفكر في نقل هذه الانشغالات إلى رئيسة الحكومة الجديدة، الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري المحترمة، لا من باب المجاملة السياسية، ولا من موقع إصدار الأحكام المسبقة على تجربة لم تُختبر نتائجها بعد، وإنما من باب التنبيه إلى أن ثمة أصواتاً تستحق أن تُسمع، ومطالب تنتظر أن تجد طريقها إلى جدول الأعمال الحكومي.
ولعل الرسالة التي ينبغي أن تصل إليها، وإلى كل مسؤول يتولى تدبير الشأن العام، هي أن مغاربة العالم لا يريدون أن يكونوا حاضرين في الخطب وغائبين عن السياسات، ولا أن تُستدعى عاطفتهم عند العودة إلى أرض الوطن ثم تُنسى انشغالاتهم عند مغادرته. إنهم يريدون تعاقداً واضحاً بين المواطن والمؤسسات، قوامه الحقوق والواجبات، والشفافية والإنجاز، والاحترام المتبادل.
فيا رئيسة الحكومة، إن وراء كل مغربي ومغربية في المهجر قصة كفاح، ووراء كل تحويل مالي أسرة تنتظر الاستقرار، ووراء كل عودة صيفية قلبٌ يختبر، مرة أخرى، مقدار ما تغير في وطنه.
فلا تجعلوا من الترحيب بهم موسماً، ومن الإصغاء إليهم مناسبة، ومن الوعود الموجهة إليهم كلمات تتبخر بانتهاء اللقاءات. اجعلوا لهم مكاناً في البرامج الحكومية، وقنوات مؤسساتية دائمة للتواصل معهم، وآليات واضحة لتتبع مطالبهم، ومؤشرات قابلة للقياس لتقييم ما تحقق منها.
إن الحكومة الجديدة أمام فرصة لتصحيح صورة طالما أثقلها التكرار بين الأمل وخيبة الانتظار. والنجاح الحقيقي لا يكون بكثرة ما يُقال عن الجالية، بل بمقدار ما يُنجز لفائدتها، وما يُتاح لها من فرص للمساهمة في التنمية، وما يُصان لها من حقوق وكرامة.
فالوطن الذي يسكن قلوب أبنائه في الخارج لا يحتاج إلى من يذكرهم بالانتماء إليه؛ بل يحتاج إلى أن يجعلهم يشعرون بأن انتماءهم إليه يجد صداه في مؤسساته وقوانينه وسياساته.
إنهم لا يطلبون وطناً آخر، بل يتطلعون إلى أن يجدوا في وطنهم بعضاً مما وجدوه في المهجر من ضمانات العيش الكريم. وتلك، في جوهرها، ليست أمنية عابرة، وإنما مسؤولية دولة، واختبار لجدية الإصلاح، وميزان لمدى الوفاء للمواطن أينما كان.
وتقبلن معاليكن أسمى آيات التقدير والاحترام ووفقكم الله جميعا
وارفع لكم سلام بعض من جاليتنا ممن التقيت بهم وحملوني امانة رفع مطالبهم الى حكومتكم الموقرة والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.



