الفيتو الروسي يفجّر مواجهة دبلوماسية داخل مجلس الأمن والمغرب يطوي 35 سنة للمينورسو في الصحراء

الحدث الإفريقي | تقرير تحليلي
شهد مجلس الأمن الدولي، الجمعة 30 أكتوبر 2026، تطوراً غير مسبوق في مسار النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، بعدما استخدمت روسيا الاتحادية حق النقض (الفيتو) ضد مشروع القرار الأمريكي المتعلق بمستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو)، في خطوة عكست حجم الخلاف بين القوى الكبرى بشأن طبيعة التسوية السياسية المرتقبة ومستقبل الوجود الأممي في المنطقة.
و بين دعم واشنطن لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، واعتراض موسكو باسم التوافق الأممي وحق تقرير المصير، دخل ملف الصحراء المغربية مرحلة جديدة من التجاذبات الدولية، انتهت بعدم تجديد ولاية بعثة المينورسو، وسط تساؤلات بشأن خلفيات الموقف الروسي ومستقبل المسار الأممي.
وتكتسي هذه الخطوة الروسية أهمية خاصة، باعتبارها المرة الأولى التي تلجأ فيها موسكو إلى الفيتو في ملف الصحراء، بعدما دأبت خلال السنوات السابقة على اعتماد خيار الامتناع عن التصويت، بما في ذلك خلال اعتماد القرار 2797 في أكتوبر 2025.
ولم يكن الخلاف الروسي الأمريكي مقتصراً على بعض التفاصيل التقنية المرتبطة بتجديد ولاية البعثة، بل امتد إلى جوهر المقاربة السياسية التي ينبغي أن تؤطر تسوية النزاع، وحدود التغيير الذي يمكن إدخاله على مهام المينورسو وتسميتها ووظيفتها المستقبلية.
مشروع أمريكي يكرس الحكم الذاتي حلا للنزاع في الصحراء
كان المشروع الأمريكي يتجاوز مجرد التجديد التقني لولاية المينورسو، إذ استهدف إعادة تشكيل طبيعة المهمة الأممية بما ينسجم مع التحولات التي عرفها الملف خلال السنوات الأخيرة، ولاسيما بعد اعتماد القرار 2797 في 31 أكتوبر 2025.
وتضمنت الصيغة الأمريكية المعروضة للتصويت ثلاثة توجهات أساسية:
- تكريس مبادرة الحكم الذاتي: جعل المقترح المغربي أساساً للمفاوضات، ووصف الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية بأنه الحل الأكثر قابلية للتطبيق، في الصيغة المعدلة للمشروع.
- تغيير هوية البعثة: حذف كلمة «الاستفتاء» من اسم المينورسو، لتصبح بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية (MINUSO)، بدل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (MINURSO).
- إعادة النظر في مهامها: تقليص المكون العسكري للبعثة، وطلب تقديم مقترحات بشأن هيكلتها ومواردها ومستقبل ولايتها، مع تحديد 30 يناير 2027 موعداً لتقديم هذه المقترحات.
وكانت المسودة الأولى أكثر تقدماً في اتجاه تقليص الوجود العسكري، إذ اقترحت إنهاء مهمة حفظ السلام في أبريل 2027، وتحويلها إلى بعثة سياسية خاصة لفترة انتقالية، قبل أن تتراجع الصيغة المعدلة عن هذا الترتيب، وتبقي على التجديد لمدة سنة، مع إرجاء الحسم في مستقبل البعثة.
وحصل المشروع الأمريكي على تأييد 11 عضواً من أصل 15، مقابل صوت واحد معارض هو الصوت الروسي، وثلاثة امتناعات عن التصويت، شملت الصين والصومال وباكستان. غير أن التصويت الروسي، باعتبار موسكو عضواً دائماً في المجلس، كان كافياً لإسقاط المشروع رغم حصوله على أغلبية واسعة.
الفيتو الروسي يسقط المشروع الأمريكي و 11 صوتا تسقط المشروع الروسي؟
و قدمت روسيا اعتراضها باعتباره دفاعاً عن المرجعية الأممية التقليدية، ورفضاً لما وصفته بمحاولة فرض حل سياسي من جانب واحد قبل التوصل إلى توافق بين الأطراف المعنية.
وفي تفسير تصويتها، اعتبر المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، أن المشروع الأمريكي يتجاهل مبدأ تقرير المصير، ويمنح مقترح الحكم الذاتي المغربي موقعاً حصرياً في العملية السياسية، بما يؤدي، بحسب الموقف الروسي، إلى استباق نتائج التسوية وتحديد قضايا السيادة قبل التوصل إلى اتفاق.
كما انتقدت موسكو حذف الإشارة إلى الاستفتاء من اسم البعثة، معتبرة أن ذلك يمثل تغييراً جوهرياً في الأساس الذي قامت عليه مهمة المينورسو.
ولم تكتف روسيا بإسقاط المشروع الأمريكي، بل تقدمت بمشروع قرار مضاد يقترح تمديد ولاية المينورسو سنة إضافية، إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع الإبقاء على اسمها ومهامها دون تغييرات جوهرية.
وقدمت موسكو مبادرتها باعتبارها محاولة للحفاظ على الوجود الأممي وضمان استمرار المسار السياسي، مستندة إلى الصياغات التي سبق أن حظيت بموافقة مجلس الأمن، ولاسيما القرار 2797.
لكن المفاجأة جاءت من الجانب الأمريكي، بعدما صوتت واشنطن ضد المشروع الروسي. ولم يتمكن هذا الأخير من الحصول إلا على ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل صوت أمريكي معارض و11 امتناعاً، وهو ما حال دون بلوغه الحد الأدنى المطلوب لاعتماده، والمحدد في تسعة أصوات.
وهكذا، أسقطت المواجهة بين موسكو وواشنطن مشروعي القرار المتنافسين، تاركة مستقبل البعثة الأممية معلقاً، قبل انتهاء ولايتها في 31 أكتوبر 2026.
هل كان الفيتو الروسي موجهاً ضد المغرب؟
تطرح هذه التطورات سؤالاً يتجاوز المبررات المعلنة للتصويت الروسي. هل كان اعتراض موسكو موجهاً ضد التوجه الأمريكي الداعم للمقترح المغربي، أم أنه يعكس حسابات استراتيجية أوسع تتصل بعلاقاتها الإقليمية ومصالحها في شمال إفريقيا؟
من الناحية المعلنة، لا تترك التصريحات الروسية مجالاً كبيراً للالتباس؛ فقد رفضت موسكو ما اعتبرته انحيازاً أمريكياً للموقف المغربي، وأكدت تمسكها باستمرار المينورسو وبمبدأ تقرير المصير، كما رفضت إخراج القضية من أجندة تصفية الاستعمار الأممية.
لكن من الناحية الجيوسياسية، لا يمكن فصل هذا الموقف عن طبيعة العلاقات الروسية الجزائرية، ولا عن رغبة موسكو في الحفاظ على موقعها كشريك استراتيجي للجزائر، دون إغفال حساباتها المتعلقة بتوازنات القوى داخل مجلس الأمن وعلاقاتها بالولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، يذهب تحليل سياسي متداول إلى احتمال أن تكون موسكو قد سعت إلى تفادي الظهور بمظهر الطرف الذي يتبنى المقاربة المغربية بشكل مباشر، مع الاحتفاظ بموقفها التقليدي الرافض لإعادة صياغة مهام البعثات الأممية بقرارات تقودها واشنطن.
غير أن الحديث عن وجود تنسيق مسبق أو تفاهم غير معلن بين الرباط وموسكو بشأن الفيتو يظل فرضية تحليلية لا تتوافر، إلى حدود المعطيات المنشورة، أدلة رسمية تثبتها. كما أن الموقف الروسي المعلن وتصويته ضد المشروع الأمريكي لا يسمحان بالجزم بأن الخطوة كانت ضوءاً أخضر للمغرب.
بلاغ الديوان الملكي يطوي 35 سنة للمنورسو في الصحراء
في المقابل، جاء الموقف المغربي عقب فشل مجلس الأمن في اعتماد أي من مشروعي القرار، ليحمل دلالات سياسية تتجاوز مجرد تسجيل عدم تجديد ولاية المينورسو.
ففي بلاغ صادر أمس الجمعة 30 أكتوبر 2026، اعتبر الديوان الملكي أن عدم تمديد مهمة البعثة يشكل تطوراً مهماً وخطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة.
وأكد البلاغ أن “وجود المينورسو في الأقاليم الجنوبية، بطواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي خلال الأيام المقبلة، معتبراً أن صفحة 35 سنة من عمل البعثة قد طويت”.
والأكثر أهمية في البلاغ هو الدعوة إلى وضع حد لإحالة الملف على مجلس الأمن وسحبه من جدول أعماله، بما يعني، وفق الرؤية المغربية المعلنة، “إنهاء الاجتماعات الدورية وتقارير الأمين العام وإحاطات مبعوثه الشخصي بشأن القضية.”
كما أكد المغرب تشبثه بوقف إطلاق النار، واحترام سلامة أراضيه وأمنه الوطني، مشيراً إلى أن الدينامية الدبلوماسية التي يقودها الملك محمد السادس ستتواصل على المستويين الثنائي والإقليمي، في ظل دعم أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها إطاراً لحل النزاع.
ويلاحظ أن البلاغ الملكي ركز على النتيجة المترتبة عن عدم تجديد ولاية البعثة، ولم يجعل من الفيتو الروسي محوراً لموقفه، بل قدم التطور باعتباره محطة في مسار التحول الذي يشهده تدبير قضية الصحراء المغربية.
و تكمن أهمية ما جرى في أن مجلس الأمن وجد نفسه أمام مأزق غير مسبوق: مشروع أمريكي يحظى بأغلبية 11 عضواً لكنه يسقط بالفيتو الروسي، ومشروع روسي بديل لا يحصل على الأصوات التسعة الضرورية، بعد معارضة أمريكية وامتناع أغلبية أعضاء المجلس.
وهذه النتيجة تعني، من الناحية الإجرائية، عدم تجديد ولاية المينورسو عند حلول موعد انتهائها في 31 أكتوبر 2026، ما لم يتوصل المجلس إلى اتفاق لاحق بشأن تمديدها.
لكن من الضروري التمييز بين عدم تجديد ولاية البعثة وبين الإنهاء القانوني الشامل لملف الصحراء داخل الأمم المتحدة؛ فعدم اعتماد قرار جديد لا يؤدي تلقائياً إلى حذف القضية من جدول أعمال المجلس أو إنهاء وضعها ضمن الملفات الأممية ذات الصلة بتصفية الاستعمار. وهذه مسألة تتطلب مسارات وقرارات أممية أخرى.
وبالتالي، فإن ما حدث لا يمثل مجرد مواجهة بين روسيا والولايات المتحدة، بل يكشف عن تصادم مقاربتين لمستقبل النزاع: مقاربة أمريكية تسعى إلى إعادة توجيه المسار السياسي نحو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ومقاربة روسية تتمسك بالإطار الأممي السابق وترفض استباق التسوية أو تغيير وظيفة البعثة دون توافق الأطراف.
أما السؤال المتعلق بوجود تفاهم مغربي روسي خلف الكواليس، فيظل مفتوحاً على احتمالات متعددة، لكنه يحتاج إلى معطيات موثقة تتجاوز قراءة الصمت الدبلوماسي أو استنتاج النوايا من نتائج التصويت.
وبين حسابات موسكو الاستراتيجية، وموقف واشنطن الداعم للمقترح المغربي، والقراءة المغربية لنهاية ولاية المينورسو، تبدو قضية الصحراء أمام منعطف جديد، عنوانه الأساسي أن معركة تثبيت الحل السياسي لم تعد تدور فقط حول مضمون المبادرات، بل أيضاً حول مستقبل الآليات الدولية التي ظلت تدير هذا النزاع لأكثر من ثلاثة عقود.



