Hot eventsأخبارأخبار سريعةعين الحدث الافريقي

وطنٌ يبحث عن نصفه الآخر

يبدو الرباط هذا الأسبوع مثل سائقٍ يقود في طريقٍ متعددة الاتجاهات: عينٌ على مرآة السلامة الطرقية، وعينٌ على عدّاد السياحة الذي لا يتوقف عن الصعود. فالكلام عن مشروع خفض وفيات الطرق إلى النصف يحمل نبرة طمأنة، غير أن الحقيقة أن الطريق لا تُروَّض بالتجهيزات وحدها، بل بتغيير عقلٍ جماعي ما زال يفاوض القانون كما تُفاوِض بعض المقاهي زبائنها على سنتيمات الزيادة. نحن لا نموت فقط بسبب السرعة، بل بسبب ثقافةٍ تعتبر حزام الأمان فكرةً موسمية، وتعتبر الغرامة قدراً يمكن التحايل عليه.

ومن جهة، جاءت أمطار الشرق لتنعش إقليم جرادة، فانتعش الغطاء النباتي وتخففت الأعباء المالية عن المربين. العالم القروي يتنفس أخيراً بعد جفافٍ طويل، وكأن المطر منحة دخولٍ إلى موسم أمل. ومع ذلك، فإن القرية تشبه حقائب تلاميذ المنحة المدرسية: كثيرٌ من المستفيدين، لكن الاستفادة العميقة مؤجلة. ثلاثة ملايين وأربعمائة ألف طفل يلتحقون بالفصول، أغلبهم من القرى، وهو رقم يليق بقلبٍ اجتماعي، لا بجدول محاسبات باردة؛ فالدعم خطوة، لكنه يظل مثل قنطرةٍ قصيرة فوق وادٍ طويل من الخصاص.

ثم إن عدّاد المالية العمومية يرتفع هذا الشهر إلى ما بين 15 و15,5 مليار درهم من حاجيات الخزينة، فتبدو الدولة مثل مركز قيادة عملياتي جديد بالمطار: غرفة أزرار تبحث عن توازن الإقلاع. تمت الموافقة على 89 مشروعاً استثمارياً بقيمة تفوق 2,28 مليار درهم، والواعدة بخمسة آلاف منصب شغل فوري وحوالي أربعين ألفاً سنوياً. الاقتصاد يتحرك بلا شك، لكن حركته تحتاج عدالةً تمشي بالإصلاح نفسه الذي تمشي به الطائرات بانسيابية؛ فإصلاح منظومة القضاء ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو شرطٌ لكي لا تتحول هذه المشاريع إلى صورٍ بلا روح.

وفي بهو السوق الاجتماعي، تلمع جامعة المقاهي والمطاعم وهي ترفع بطاقة حمراء ضد أي زيادات غير مبررة في الأسعار، مؤكدة أن الثقة بين المهني والمستهلك أرقّ من زجاج فنجان. التماسك قد يتشقق بسبب لقمةٍ غامضة الثمن، كما قد يتشقق بسبب مدونة شغل لا ترى حراس الأمن الخاص إلا من ثقبٍ ضيق. العدالة الاجتماعية هي الخيط الذي يربط بين طبق المطعم وكرسي المحكمة ومقعد المدرسة.

أما الهيدروجين الأخضر والتمويلات الأوروبية التي بلغت 740 مليون أورو سنة 2025، فتضع المغرب في خريطة طاقية جديدة، مثل برنامج تجهيز المساجد بميزانية 139 مليون درهم لتوفير الكهرباء والماء الساخن والإنارة. مفارقةٌ تجعل بيوت الله تستعد للانتقال نحو الضوء النظيف، بينما بيوت البشر تنتظر نصيبها من الضوء نفسه. ولو جرى تعميم روح هذا الانتقال خارج الأسوار المقدسة، لربما صلّت القرى صلاةً كاملة لا ركعة ناقصة من التنمية.

ومن أعماق البحر، يبدأ موسم الأخطبوط الشتوي 2026 بمردودية استثنائية تتجاوز خمسة أطنان يومياً لكل سفينة، مع هيمنة الأحجام الكبيرة، وهي طفرات طبيعية تشبه بدورها ارتفاع مبيعات الإسمنت إلى 14,81 مليون طن بزيادة 8,21 في المائة. البلد يبني فوق الأرض وتحت الماء، بأرجل السفن وأكياس الورشات، لكن السؤال المؤرق: لمن تُبنى هذه المردودية؟ هل تصل حرارة الأخطبوط إلى موائد الفقراء، وهل يتحول الإسمنت إلى جدرانٍ تحمي الجميع أم تحمي الأرباح فقط؟

ثم تظهر التجارة الخارجية بوجهها الصلب: 62 في المائة من الواردات مواد أساسية للإنتاج والاستثمار، يصعب تقليصها لأنها ترافق دينامية صناعة السيارات والطيران والأوراش الكبرى. غير أن الواجهة المضيئة لهذا الحراك تذكّرنا بما حققته السياحة من رقم قياسي بلغ 19,8 مليون زائر ومداخيل 124 مليار درهم من العملة الصعبة؛ قطاعٌ يملأ الخزائن ويُفرغ في الوقت نفسه نقاشاً يومياً حول أسعار الصحة والتعليم والسكن.

وفي جهة الفكر، يطلّ لقاء إصلاح التعليم العالي ليؤكد على مقاربة شمولية تراعي التحولات التكنولوجية والتوازن المعرفي، كما يطلّ تشغيل مركز القيادة العملياتية بالمطار لتعزيز التنظيم خلال التظاهرات الدولية الكبرى. الدولة تعيد ترتيب بيتها من العدالة إلى المطارات إلى الجامعات إلى المساجد، لكن المواطن يريد أن يشعر أن هذا البيت هو بيته فعلاً، لا صالة انتظارٍ مزخرفة.

هكذا نمشي بين فرامل الطريق، ومحرّك القرية، وعدّاء السياحة، ومدرج المطار، وشموع المسجد، وشباك الأخطبوط، وأكياس الإسمنت. نريد خفض وفيات السرعة، ورفع وفيات الهشاشة، قبل أن نرفع كؤوس الانتصارات. فالوطن لا يحتاج فقط إلى رصدٍ تقني يراقب العجلات، بل إلى ضميرٍ يراقب توزيع الكرامة بين جميع الاتجاهات، حتى لا تبقى التنمية نصفَ حكاية.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button